العنف الالكتروني ضد النساء… إنذار مبكر لخطر يقوض السلام
“أوقفوا الرصاص الرقمي”
العراق-منار الزبيدي
لا تبدأ النزاعات دائما بصوت الرصاص، أحيانا تبدأ بكلمة، بمنشور يتهم امرأة، وتعليق يحرض عليها، وحسابات تتناقل الاتهام، وصورة يجري تداولها خارج سياقها، ومعلومات شخصية تنشر بقصد التخويف.
ثم تتسع الدائرة شيئا فشيئا، لتتحول الإساءة الفردية إلى حملة، والحملة إلى تحريض، والتحريض إلى تهديد. وفي لحظة ما، لا تعود الشاشة مجرد مساحة للكلام، بل تصبح مساحة لإنتاج الخوف والإقصاء والعنف.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم لا يتعلق فقط بكيفية محاسبة من يمارس العنف الرقمي، بل بسؤال أسبق وأكثر إلحاحا: هل نستطيع قراءة العنف الرقمي بوصفه إنذارا مبكرا لخطر قد يتجاوز الفضاء الإلكتروني؟
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنسبة إلى النساء اللواتي اخترن الحضور في المجال العام، من الصحفيات والناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان والعاملات في المجتمع المدني، وكل امرأة أصبحت لها مساحة من التأثير والصوت، فالفضاء الرقمي منح النساء فرصة غير مسبوقة للتعبير والمشاركة والوصول إلى الجمهور، لكنه في الوقت نفسه أصبح ساحة للاستهداف والتشهير والتحريض والتهديد، والخطر هنا لا يكمن في الإساءة إلى السمعة وحدها، فقد يكون الهدف في أحيان كثيرة دفع المرأة إلى الصمت وإجبارها على الانسحاب من المجال العام، وحين تنسحب المرأة من المجال العام خوفا، فإن الخسارة لا تقع عليها وحدها، بل على المجتمع كله.
أكتب هذا المقال أيضا من تجربة شخصية، فقد كان حضوري في المجال العام، بوصفه امتدادا لعملي في الصحافة والدفاع عن قضايا المجتمع وحقوق الإنسان، سببا في تعرضي لحملات رقمية تجاوزت حدود الاختلاف في الرأي والنقد، ووصلت إلى الاستهداف والتشهير ومحاولات التأثير في صورتي أمام المجتمع ثم تجاوز ذلك الى نشر صورة منزلي وعنواني وتفصيل شخصية اخرى، لم تكن المشكلة في منشور واحد، وإنما في النمط الذي أخذ يتشكل من خلال تكرار الرسائل واتساع دائرة المشاركين وانتقال الحملة من مناقشة الأفكار إلى استهداف الشخص، وتحول الإشاعة إلى مادة يعاد إنتاجها وتداولها مع تحريض وكراهية وتضليل رقمي.
علمتني هذه التجربة أن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف أرد؟ بل من يستطيع قراءة هذه المؤشرات قبل أن تتصاعد؟ ومن يستطيع أن يقول للضحية: نحن نرى الخطر وسنتدخل قبل أن يصبح أكبر؟ هذه التجربة جعلتني أرى العنف الرقمي باعتباره قضية تتجاوز الضحية الفردية، لأنها ترتبط بقدرة المجتمع والدولة على اكتشاف مؤشرات العنف قبل وصولها إلى مرحلة يصعب احتواؤها.
ولا يعني ذلك أن كل تعليق مسيء أو كل خلاف على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل مقدمة لعنف مادي، لأن حرية التعبير والاختلاف حقان أساسيان، ولا يمكن بناء مجتمع آمن بتحويل كل رأي مخالف إلى جريمة، لكن هناك فارقا واضحا بين الاختلاف وبين خطاب الكراهية والتحريض والتهديد.
ويظهر هذا الفارق عندما يتغير نمط السلوك، فينتقل من نقد الفكرة إلى مهاجمة الشخص، ومن منشور عابر إلى حملة متكررة، ومن التشهير إلى نشر المعلومات الشخصية، ومن الإساءة إلى التهديد، ومن التهديد العام إلى تحديد مكان السكن أو العمل، ومن استهداف المرأة وحدها إلى تحريض آخرين عليها.
هذه ليست مجرد تفاصيل رقمية يمكن التعامل معها باعتبارها ضوضاء عابرة على الإنترنت، بل مؤشرات تستحق التقييم. فالإنذار المبكر لا يعني أن نتنبأ بالجريمة أو أن نعامل كل إساءة على أنها جريمة محتملة، وإنما يعني أن نلتقط المؤشرات التي قد تدل على تصاعد الخطر، وأن نمتلك آليات للتحرك قبل أن يصبح الضرر أكبر.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع اتساع الأدلة التي تربط بين العنف الرقمي والعواقب خارج الإنترنت، فقد أظهرت دراسة عالمية مرتبطة بهيئة الأمم المتحدة للمرأة واليونسكو ارتفاع نسبة الصحفيات اللواتي ربطْن بين العنف الرقمي والعنف أو الأذى خارج الإنترنت إلى نحو 42 بالمئة، مقارنة بنحو 20 بالمئة في دراسة سابقة عام 2020.
كما تشير اليونسكو إلى أن النساء الصحفيات يواجهن أنماطا متزايدة من التهديد والمضايقة ونشر المعلومات الشخصية والاستهداف الرقمي، ولا تعني هذه الأرقام أن كل حملة رقمية ستنتهي باعتداء جسدي، لكنها تكفي لتغيير طريقة النظر إلى المشكلة، فإذا كان بعض العنف الرقمي يرتبط بأذى خارج الإنترنت، فإن تجاهل المؤشرات المبكرة يصبح مخاطرة لا يمكن الاستهانة بها.
والعراق ليس بعيدا عن هذه الظاهرة، ففي عام 2026، رصدت مبادرة عراقية مدعومة من اليونسكو ارتفاعا في المحتوى الضار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة والمضايقات المستهدفة.
وخلال الفترة من 5 إلى 29 آذار/مارس 2026، جرى تحليل 713 حالة من المحتوى الضار ضمن آلية رصد شاركت فيها منظمات مجتمع مدني عراقية، بالاعتماد على المراقبة الرقمية وتتبع الكلمات المفتاحية والبلاغات الواردة من المتضررين، وتقدم هذه التجربة درسا مهما يتلخص في كيف يمكن رصد المؤشرات الرقمية، و السؤال الذي يجب أن يلي الرصد هو ماذا نفعل عندما نرصدها؟ فالرصد الذي لا يقود إلى تقييم الخطر والحماية و الاستجابة يبقى ناقصاً.
ولا تكمن المشكلة في العنف الرقمي دائما بغياب المؤشرات، ففي كثير من الحالات تكون المؤشرات واضحة أمام الجميع” حملة تشهير متكررة، خطاب كراهية، تحريض، تهديدات، نشر للمعلومات الشخصية، حسابات متعددة تعيد إنتاج المحتوى، واستهداف متصاعد للمرأة” لكن سرعة ظهور هذه المؤشرات لا تقابلها دائما سرعة مماثلة في الاستجابة المؤسسية وهذه إحدى أخطر فجوات الحماية.
و في ذات الوقت الذي تنتشر فيه الحملة الرقمية خلال دقائق، تحتاج الضحية إلى وقت طويل لتقديم شكوى رسمية، والوصول إلى الجهة المختصة، وتقديم الأدلة، ومتابعة الإجراءات وانتظار التحقق.
” بينما ينتشر المحتوى بسرعة كبيرة، قد تكون الاستجابة المؤسسية أبطأ من حجم الخطر” وهذه الفجوة الزمنية قد تمنح المعتدي فرصة لمواصلة الحملة وتصعيدها، خصوصا عندما لا يرى استجابة واضحة أو سريعة من الجهات المعنية، ومع تكرار مثل هذه الحالات من دون محاسبة، قد يترسخ لدى المعتدي شعور بأنه يستطيع الاستمرار في الاعتداء من دون أن يواجه عواقب قانونية.
أما الضحية، فقد تصل إلى استنتاج أكثر خطورة: إذا لم أجد حماية عندما تعرضت للتهديد عبر الشاشة الرقمية، فكيف أثق بأنني سأحصل عليها عندما ينتقل الخطر إلى الواقع؟
ورغم وجود آليات وطنية لحماية الصحفيين، ومنها آليات للإبلاغ عن التهديدات التي تواجه الصحفيات بالتعاون بين وزارة الداخلية واليونسكو، فضلا عن خط ساخن ومنصة للشكاوى وهي خطوات مهمة ينبغي البناء عليها، لكن وجود قناة للإبلاغ لا يعني بالضرورة أن منظومة الحماية اكتملت.
فالضحية قد تعرف أين تبلغ، لكنها قد لا تستطيع الوصول، وقد تستطيع الوصول لكنها قد تخشى كشف هويتها، وقد تملك الأدلة لكنها لا تعرف كيف تحفظها أو تقدمها، وقد تكون قادرة على تقديم الشكوى، لكنها تخشى الانتقام أو الوصمة الاجتماعية أو ردود فعل الأسرة، وفي بعض البيئات قد تتداخل هذه المخاوف مع اعتبارات اجتماعية وأسرية معقدة، بما فيها الخوف من الانتقام أو الثأر، وهذا يعني أن أكثر النساء عرضة للخطر قد يكن أحيانا الأقل قدرة على الوصول إلى آليات الحماية التقليدية.
لذلك لا يكفي أن نقول للمرأة، قدمي شكوى. السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل صممنا نظام الإبلاغ أصلا بطريقة سرية ورصينة تجعلها قادرة على الوصول إليه بأمان؟
ففي البيئة الرقمية، الوقت ليس تفصيلا، حيث يمكن لمنشور واحد أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال ساعات، ويمكن لصورة أو تسجيل أو معلومة شخصية أن تنتشر في نسخ متعددة حتى بعد حذف المنشور الأصلي، ويمكن لحساب وهمي أن يختفي قبل أن تتمكن الضحية من معرفة صاحبه، ولهذا فإن الاستجابة المتأخرة قد تكون في بعض الحالات استجابة غير كافية.
ليس المطلوب أن تصدر المؤسسات حكما على شخص خلال ساعات، ولا أن تتجاوز الإجراءات القانونية، وإنما أن تبدأ الحماية بسرعة من خلال حفظ الأدلة وتقييم الخطر ومنع استمرار الضرر حيثما كان ذلك ممكنا وإرشاد الضحية وتحديد ما إذا كانت الحالة تحتاج إلى استجابة عاجلة. فالعدالة المتأنية شيء، وتأخر الحماية شيء آخر.
وتزيد الحسابات الوهمية من صعوبة الاستجابة، إذ يستطيع الجاني أحيانا إنشاء حساب جديد بعد إغلاق حساب سابق، وإعادة نشر المحتوى نفسه بأسماء مختلفة، أو استخدام صفحات لا تكشف هويته، وهنا تحتاج الجهات المختصة إلى قدرات تقنية وقانونية تسمح لها بالتعامل مع الأدلة الرقمية والحسابات الوهمية وحفظ الأدلة وطلب المعلومات من المنصات وفق القانون، مع احترام الخصوصية وضمانات حقوق الإنسان. ولا يمكن أن يطلب من الضحية أن تقوم وحدها بما يفترض أن تقوم به المؤسسات المختصة، فالمرأة ليست جهاز تحقيق و وظيفتها أن تبلغ وهذه وظيفة المؤسسات التي يجب أن تتحقق وتحمي وتطبق القانون
كما لا ينبغي أن تتحمل الأجهزة الأمنية وحدها مسؤولية حماية النساء من العنف الرقمي، فهناك مسؤولية أيضا على المؤسسات الحكومية المعنية بالمرأة اتحاديا ومحليا، وعلى المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان والإعلام والمجتمع المدني، ولكن للأسف أن العنف الرقمي ضد النساء لا يحظى دائما بالاهتمام نفسه إلا عندما يتحول إلى قضية رأي عام.
وهنا تظهر مشكلة أخرى، تتعلق بالحماية القائمة على الترند وهذا لا يعتبر نظام حماية، فالمرأة التي تمتلك شبكة علاقات واسعة قد تحصل على اهتمام كبير عندما تتعرض لحملة، أما المرأة الأقل من ذلك فقد تتعرض للعنف نفسه، وربما بصورة أشد، لكن قصتها لا تتحول إلى قضية عامة. لذلك ينبغي أن تصل المؤسسات إلى الضحية قبل أن تضطر إلى تحويل ألمها إلى قضية عامة حتى يسمعها أحد” الإنذار المبكر لا ينتظر أن يصبح الخطر ترند”.
وفي العراق، لا يمكن الحديث عن حماية النساء الناشطات من دون استحضار أسماء أصبحت جزءا من ذاكرة المجتمع، ففي 19 آب/أغسطس 2020، قتلت الناشطة والطبيبة ريهام يعقوب في البصرة بعد أن أطلق مسلحون مجهولون النار على السيارة التي كانت تستقلها مع شقيقتها وصديقة لها، فأصيبت صديقتها أيضا، وقد وثقت منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الحقوقية، هذه القضية ضمن موجة الاعتداءات على الناشطين والناشطات خلال تلك المرحلة.
في جريمة اغتيال ريهام يعقوب، تظهر بصورة أوضح العلاقة بين العنف الرقمي ومؤشرات الخطر التي قد تسبق العنف في الواقع، ففي عام 2018 تعرضت ريهام لحملة رقمية استخدمت فيها صورها التي ظهرت فيها خلال مشاركتها في فعاليات عامة، وجرى تداول تلك الصور على نطاق واسع وربطها باتهامات وتشويه لصورتها ونشاطها المدني، ولم تتوقف الحملة عند تداول الصور، بل تحدثت ريهام نفسها عن تعرضها للتهديد والتحريض على قتلها، وقالت إن صورها انتشرت في كل مكان.
وفي عام 2019 تعرضت لتهديد مباشر عبر رسالة نصية وأبلغت السلطات عنه، وبعد ذلك، وفي 19 آب/أغسطس 2020، اغتيلت ريهام يعقوب في البصرة بعد تعرضها لإطلاق نار.
ولا يعني هذا التسلسل أن الحملة الرقمية أو التهديد السابق كانا سببا مباشرا في اغتيالها، لكنهما يقدمان مثالا واضحا على أهمية قراءة تصاعد العنف الرقمي بوصفه مؤشرا يستحق الانتباه، فانتقال الاستهداف من نشر الصور والتشهير، إلى التحريض والتهديد، يمثل تصاعدا في مستوى الخطر، ويطرح سؤالا مهما حول ما إذا كان يمكن للمؤسسات أن تتدخل في هذه المرحلة قبل أن ينتقل الخطر من الفضاء الرقمي إلى الواقع.
ومن هنا تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في فهم العنف الرقمي ليس بوصفه مجرد إساءة إلكترونية، وإنما في بعض الحالات بوصفه جزءا من مسار تصاعدي قد يستوجب التقييم والمتابعة والحماية المبكرة كما انها تطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن أن نقرأ بعض التهديدات الرقمية بوصفها إنذارا مبكرا يتيح التدخل قبل أن ينتقل الخطر من الشاشة الرقمية إلى الواقع؟
كما تكتسب هذه الحالة أهمية أكبر عند النظر إليها ضمن السياق الأوسع للاستهداف الذي تعرضت له ريهام، إذ تشير مصادر حقوقية إلى أنها واجهت تهديدات ومضايقات مرتبطة بنشاطها العام، وأن صورا ومعلومات عنها جرى تداولها في سياقات أدت إلى زيادة استهدافها،
وهذا يوضح كيف يمكن أن تتراكم أشكال مختلفة من الضغط على المرأة الناشطة، بدءا من التشويه والمضايقة، وصولا إلى التهديد المباشر، لذلك، لا تكمن أهمية قصة اغتيالها بالنسبة إلى هذا المقال في محاولة إثبات علاقة سببية مباشرة بين منشور أو رسالة وبين الرصاصة التي قتلتها، وإنما في إظهار أهمية قراءة مؤشرات الخطر التي تظهر قبل وقوع العنف. فالتهديد الذي يصل إلى امرأة عبر الهاتف أو وسائل التواصل قد يبدو في لحظته حادثة منفصلة، لكنه يصبح أكثر أهمية عندما يترافق مع مضايقات متكررة أو استهداف علني أو نشر لمعلومات وصور عنها أو تصاعد في مستوى التهديد.
كما إن اغتيال ريهام يعقوب، يطرح سؤالا آخر ، لا يتعلق بالماضي وحده، بل بطريقة تعامل المؤسسات مع الخطر قبل أن يتحول إلى جريمة: ماذا يحدث عندما تبلغ امرأة عن تهديد، ثم لا تتحول تلك المعلومة إلى تقييم واضح لمستوى الخطر أو إلى إجراءات حماية مناسبة؟ هنا تحديدا تظهر الحاجة إلى النظر إلى العنف الرقمي والتهديدات الإلكترونية باعتبارها جزءا من منظومة أوسع من مؤشرات الخطر، لا مجرد محتوى عابر على شاشة الهاتف.
ومن هذه الزاوية، تصبح هذه القضية مثالا على الفجوة التي يمكن أن تنشأ بين ظهور الخطر والاستجابة له، فالحماية الفعالة ينبغي أن تبدأ عندما تظهر المؤشرات التي قد تنذر بتصاعده، وهذا يعني أن تتعامل المؤسسات المختصة مع التهديدات المباشرة والتحريض والاستهداف المتكرر وفق معايير واضحة، وأن تمنح الضحية فرصة للحصول على الحماية قبل أن يصبح الإنذار واقعا لا يمكن تداركه، ويجعلنا نفكر في كيف نحمي النساء اللواتي يمارسن دورا عاما عندما تتراكم حولهن مؤشرات الاستهداف والتهديد؟ وما الذي يمكن أن تفعله الحكومة قبل الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها الخطر فعلا ماديا؟
هنا بالضبط تصبح فكرة الإنذار المبكر “ضرورة” و إذا كانت المرأة تتعرض لحملة تشهير وتحريض خلال ساعات، و كانت البيانات الشخصية والصور والمعلومات يمكن أن تنتشر بسرعة، فإن منظومات الحماية مطالبة أيضا بأن تصبح أكثر سرعة ومرونة.
ولا يمكن بناء سياسة إنذار مبكر على فكرة أن المرأة ستأتي في نهاية المطاف لتقدم شكوى، بل ينبغي أن تكون هناك قدرة مؤسسية على قراءة الاتجاهات المتمثلة ب : ماذا يحدث؟ من المستهدف؟ هل يتكرر الخطاب؟ هل يرتفع مستوى التهديد؟ هل تنتقل الحملة من الإهانة إلى التحريض؟ هل بدأت المعلومات الشخصية بالظهور؟ وهل توجد مؤشرات على احتمال الانتقال من الرقمي إلى الواقعي؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرحها منظومة الإنذار المبكر.
ولدى العراق إطار وطني للمرأة والسلام والأمن يستند إلى قرار مجلس الأمن 1325، وأطلق في السنوات الأخيرة خطط عمل وطنية لتنفيذ هذه الالتزامات وفي 2025 و2026، أنهى العراق وأطلق خطة العمل الوطنية الثالثة بشأن قرار مجلس الأمن 1325، بدعم فني من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وتشير المصادر الأممية إلى أن الخطة تمثل الإطار الوطني الحالي لتعزيز مشاركة النساء وحمايتهن ودعم دورهن في السلام والأمن.
وهنا ينبغي أن نطرح سؤالا جديدا: هل أصبحت الحماية الرقمية جزءا واضحا من مفهوم حماية النساء في أجندة المرأة والسلام والأمن؟ فالتهديدات التي تواجه النساء لم تعد محصورة في الشارع أو مكان العمل أو مناطق النزاع، فقد الفضاء الرقمي أصبح جزءا من المجال العام، وبالتالي فإن حماية النساء في هذا الفضاء يجب أن تكون جزءا من مفهوم الحماية والوقاية والمشاركة، وهذا يتفق مع روح القرار 1325 نفسه، الذي يقوم على حماية النساء وضمان مشاركتهن ومنع العنف وتعزيز دورهن في المشاركة و بناء السلام.
وهناك نقطة أخرى تستحق نقاشا صريحا تتعلق بوزارة الداخلية والمؤسسات الأمنية، فإذا كانت مؤسسات الدولة قادرة على التحرك بسرعة في مواجهة أنواع معينة من المحتوى الرقمي واتخاذ إجراءات قانونية بحق ناشريه، فإن خطاب الكراهية والتحريض والتهديد ضد المواطنين والمواطنات يستحق أيضا استجابة مؤسسية سريعة ومتخصصة، و لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين أنواع المحتوى أو إلغاء حق الدولة في تطبيق القانون، بل بترتيب أولويات الحماية، فالمحتوى الذي يتضمن تحريضا على العنف أو تهديدا لسلامة الأشخاص قد تكون له عواقب تتجاوز الشاشة، ولهذا فإن مكافحة خطاب الكراهية والتحريض ليست قضية إعلامية فقط، ولا قضية أخلاقية فحسب، بل هي أيضا قضية تتعلق بالأمن المجتمعي ومنع العنف.
ولا ينبغي أن ننتظر أن تصبح الحملة اعتداء حتى نتعامل معها باعتبارها خطرا، فإذا كانت الدولة تستطيع التحرك بسرعة عندما يصبح محتوى ما قضية عامة، فمن المهم أن تمتلك السرعة نفسها عندما تكون سلامة امرأة أو مواطن مهددة، حتى لو لم تتحول القضية بعد إلى ترند، وفي المقابل، فإن الحديث عن الرصد الرقمي يجب ألا يتحول إلى مبرر لمراقبة المجتمع أو التضييق على حرية التعبير، فالإنذار المبكر لا ينبغي أن يتحول إلى مراقبة للآراء أو إلى أداة لإسكات المعارضين، بل رصد مؤشرات الخطر المعلنة، ووضع معايير واضحة تميز بين الرأي المشروع وخطاب الكراهية والتحريض والتهديد، كما يجب أن تخضع أي منظومة للرصد والمشاركة في البيانات إلى قواعد واضحة لحماية الخصوصية، وألا تستخدم المعلومات إلا للغرض الذي جمعت من أجله، لأن الهدف من الإنذار المبكر هو حماية الحقوق، لا تقويضها.
ومن هنا نحتاج إلى الانتقال من نموذج يبدأ بالتهديد ثم الشكوى ثم الانتظار، إلى نموذج أكثر فاعلية يبدأ بالرصد ثم التحقق وتقييم الخطر والحماية والاستجابة والمساءلة والمتابعة، وهذا يتطلب تطوير آلية وطنية آمنة للإبلاغ عن العنف الرقمي تسمح للنساء بتقديم البلاغات عن بعد وإرفاق الأدلة دون إلزامهن بالحضور الشخصي في كل مرحلة، إلى جانب إنشاء نظام واضح لتقييم مستوى الخطورة يميز بين الإساءة وخطاب الكراهية والتحريض والتهديد ونشر المعلومات الشخصية والتهديدات ذات المؤشرات المادية.
كما يتطلب الأمر حماية هوية المبلغة وبياناتها وتوفير ضمانات تمنع تعرضها للانتقام بسبب الإبلاغ، وتدريب الأجهزة الأمنية والقضائية والجهات المختصة على التعامل مع الأدلة الرقمية والحسابات الوهمية وحفظ الأدلة والتواصل مع المنصات الرقمية ضمن القانون، وربط مؤسسات الدولة المعنية بالمرأة وحقوق الإنسان والإعلام بمنظومة الإنذار المبكر حتى لا تبقى كل جهة تعمل بمعزل عن الأخرى.
ولا يقل عن ذلك أهمية إشراك منظمات المجتمع المدني والنساء ذوات الخبرة في تصميم آليات الحماية وتقييمها، وتطوير مؤشرات وطنية لقياس العنف الرقمي ضد النساء، لأن ما لا نرصده لا يمكننا الوقاية منه، فضلا عن إدماج السلامة الرقمية وحماية النساء من العنف الرقمي بصورة أوضح في تنفيذ خطة العمل الوطنية الثالثة للقرار 1325.
قد يبدو العنف الرقمي موضوعا تقنيا، لكنه في جوهره موضوع يتعلق بالسلام، فالسلام يعني أن يتمكن الناس من المشاركة في الحياة العامة دون خوف، وأن تتمكن المرأة من العمل والصحافة والنشاط المدني والدفاع عن الحقوق دون أن تدفع ثمن ذلك من سلامتها، وعندما تجبر حملات الكراهية والتحريض النساء على الانسحاب، فإنها لا تسكت امرأة واحدة فقط، بل تقلص مساحة المشاركة العامة، وتضعف التنوع، وتقوض الثقة، وتخلق بيئة يصبح فيها الصوت الأعلى هو الصوت الأكثر قدرة على التخويف، وهذا عكس بناء السلام تماما.
لقد تعلمنا في كثير من مجالات منع النزاعات أن الإنذار المبكر لا قيمة له إذا لم يتبعه تحرك، وهذا ينطبق تماما على الفضاء الرقمي، حيث يمكننا أن نرصد خطاب الكراهية، ويمكننا أن نعرف أن هناك حملة، ويمكننا أن نرى ارتفاع التهديدات، ويمكننا أن نعرف أن امرأة مستهدفة، لكن إذا لم تتحرك المؤسسات، فما قيمة كل هذه المعلومات؟
اذن، المشكلة ليست فقط في وجود العنف الرقمي ، بل في الفجوة بين سرعة إنتاج الخطر وسرعة الاستجابة له وهذه الفجوة هي التي ينبغي أن نعمل على إغلاقها، و لا يمكن القول إن كل حملة رقمية ستنتهي بعنف مادي، لكن لا يمكن أيضا أن نعامل كل حملة باعتبارها مجرد ضوضاء إلكترونية، فالمرأة التي تتعرض للتشهير والتحريض والتهديد لا تعيش الخطر على الشاشة فقط. هي تعود إلى بيتها، وتذهب إلى عملها، وتلتقي بأسرتها، وتخرج إلى الشارع، وتعيش وهي تعرف أن معلوماتها وصورتها واسمها أصبحت متداولة لدى أشخاص قد لا تعرفهم، لهذا فإن حماية المرأة تبدأ قبل وقوع الاعتداء، وتبدأ من اللحظة التي تظهر فيها الإشارة الأولى: منشور، تهديد، تحريض، معلومة شخصية، حملة، عندها يجب أن يكون هناك من يرى هذه الإشارة ويقول: هذه ليست مجرد منشورات، وهذه قد تكون بداية خطر” إذا كان الإنذار المبكر هو القدرة على رؤية الخطر قبل وقوعه فالاستجابة المبكرة هي القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى حماية”.
في النهاية، يجب أن ندرك، إن مواجهة العنف الرقمي ضد النساء اختبارا حقيقيا لقدرة الحكومة وأجهزتها والمجتمع على قراءة مؤشرات الخطر والتدخل قبل أن تتحول التهديدات إلى عنف في الواقع، ولذلك ندعو وزارة الداخلية إلى تطوير إجراءات الاستجابة للبلاغات النسوية، وتفعيل منصة آمنة وسهلة للإبلاغ، ووضع تعليمات واضحة وسريعة للتعامل مع التهديدات والتحريض والتشهير ونشر المعلومات الشخصية، ومتابعة البلاغات بجدية من دون تعقيد أو اشتراط حضور الضحية شخصيا في كل مرحلة.
كما ندعو القضاء إلى تبسيط إجراءات الشكاوى، وتوفير بيئة آمنة وملائمة للنساء الضحايا، بما يضمن وصولهن إلى العدالة والحماية من دون إرهاق أو خوف، وعلى المنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني أن تتضامن فعليا مع النساء ضحايا العنف الرقمي ، وتقدم كافة أنواع الدعم للضحايا وتؤدي دورها في ممارسة الضغط والمساءلة تجاه الحكومة، لأن دورها لا ينبغي أن يظهر فقط عند المنح والفعاليات، بل عندما تتعرض النساء للخطر.
ويجب على الحكومة والجهات المعنية بملف المرأة إلى تحويل مسؤولياتها من شعارات ومناصب إلى سياسات وإجراءات قابلة للقياس، ومواءمة تنفيذ خطة العمل الوطنية الثالثة بشأن القرار 1325 مع واقع العنف الرقمي، بحيث تشمل الوقاية والحماية والاستجابة والتعافي، لأن الإنذار المبكر لا قيمة له من دون استجابة مبكرة، ومنع النزاعات وبناء السلام لا يمكن أن يكتمل إذا كانت النساء ينسحبن من المجال العام خوفا من العنف.
لقد دفعت نساء عراقيات ثمنا باهظا لحضورهن في المجال العام، وبعضهن ممن واجهن العنف بسبب أصواتهن و مواقفهن لذلك لا ينبغي أن ننتظر ضحية جديدة حتى نكتشف أننا كان يمكن أن نفعل شيئا قبل ذلك و لا ينبغي أن ننتظر الرصاصة حتى نكتشف أن المنشور كان إنذارا، فحماية النساء في الفضاء الرقمي ليست ترفا تقنيا و لا قضية هامشية، بل هي جزء من حماية المجال العام، وصون المشاركة، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ومنع العنف، وبناء السلام “الإنذار المبكر لا قيمة له من دون استجابة مبكرة، و المجتمع الذي يريد السلام لا ينتظر العنف حتى يبدأ بالتحرك”.
المصادر:
منظمة العفو الدولية، «Iraq: End impunity for murders, release peaceful activists»، 9 كانون الأول/ديسمبر 2020،
Human Rights Watch، «To Sleep the Law: Violence Against Protesters and Unaccountable Perpetrators in Iraq»، 2022،
اليونسكو، «Iraqi CSOs Respond to Surge in Harmful Online Content Through Coordinated Monitoring Initiative»، 3 أيار/مايو 2026،
اليونسكو، «Investigative Journalism: Unveiling the Threats to Journalists in Arab States
اليونسكو، «A Hotline Offers Women Journalists in Iraq Protection in a Hazardous Environment»
هيئة الأمم المتحدة للمرأة، «Iraq – Women, Peace and Security»
مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، «Experts commend Iraq’s efforts in adopting the third national action plan on women, peace and security»، شباط/فبراير 2026.
تنويه: هذا المقال ضمن مشروع «أصوات النساء»، الذي تنفذه مؤسسة الحق لحقوق الإنسان، بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة وبتمويل من صندوق المرأة للسلام والعمل الإنساني (WPHF).
Share this content:

إرسال التعليق