تفكيك سرديات الجريمة وتبرير العنف الأسري: قراءة جنائية وإحصائية لدحض التضليل الرقمي
فريق التحرير
تتعرض قضايا الجرائم الأسرية والاعتداءات الجسدية الواقعة ضد النساء والفتيات في البيئة الرقمية العربية، لا سيما في الفضاء العراقي، لموجات ممنهجة من التضليل تهدف إلى إعادة صياغة دوافع الجرائم والتخفيف من وطأتها الجنائية والمجتمعية. يرتكز هذا الخطاب التبريري على افتراضين رئيسيين: تصوير القتل والعنف باعتباره “دفاعاً مشروعاً عن الشرف” أو استجابة حتمية لمسلكيات غير منضبطة للمجنى عليهن، وتصدير مزاعم إحصائية مضللة تدعي أن وقائع العنف الأسري ما هي إلا “حوادث فردية معزولة وشاذة” لا ترقى إلى مستوى الظاهرة البنيوية، ومن ثم انتفاء الحاجة إلى تشريع قوانين رادعة خاصة بها.
يكشف إخضاع هذه الادعاءات للفحص المتقاطع، بالاستناد إلى معايير تدقيق المعلومات الصادرة عن المؤسسات المهنية كالشبكة العربية لمدققي المعلومات، عن هوة شاسعة وتناقض جذري بين ما تروجه منصات التواصل الاجتماعي وما تثبته المحاضر الرسمية للتحقيقات الجنائية، وتقارير دائرة الطب العدلي، والبيانات التراكمية لمجلس القضاء الأعلى ووزارة الداخلية والمنظمات الحقوقية والأممية المعتمدة.
التناقض بين السرديات الرقمية والحقائق الجنائية والطب العدلي
تعتمد استراتيجية تبرير الجرائم المرتكبة ضد النساء على آلية دعائية فورية تنطلق عبر وسائل التواصل الاجتماعي عقب ارتكاب الجريمة، وتتمثل في محاولة تكييف مسرح الحادث تكييفاً أخلاقياً استباقياً يخدم مصلحة الجناة ويهدف إلى التأثير في مسار التحقيق الابتدائي وحشد تعاطف الجمهور. غير أن فحص ملفات القضايا الجنائية العينية ومقارنتها بالتقارير التشريحية والمحاضر التحقيقية الرسمية يكشف عن أن الدوافع الحقيقية ترتبط في الغالبية العظمى بنزاعات الهيمنة، وفرض الزواج القسري، والابتزاز المالي، والتستر على انتهاكات أسرية سابقة، فضلاً عن تلفيق سيناريوهات الانتحار للتنصل من المسؤولية الجزائية.
تفكيك مزاعم الشرف في قضية مقتل نورزان الشمري
شهدت العاصمة بغداد في آب/أغسطس 2021 جريمة مقتل الشابة نورزان الشمري بالقرب من جسر الجادرية، حيث اجتاحت المنصات الرقمية حملات ترويجية زعمت في البداية تعرض الفتاة لاعتداء جنسي واغتصاب عشوائي في الطريق العام، قبل أن تتحول السردية سريعاً إلى تصوير الجريمة بوصفها “غسلاً للعار” مدفوعاً بمسلكية الضحية وظهورها على شبكات التواصل.
أثبتت النتائج التحقيقية الرسمية الصادرة عن مديرية مكافحة إجرام بغداد ووزارة الداخلية بطلان هذه الروايات بالكامل. أكدت الوزارة، استناداً إلى تقارير الطب الشرعي، خلو الحادثة تماماً من أي اعتداء جنسي أو دافع أخلاقي فوري، وأسفرت التحريات الأمنية ومقاطع كاميرات المراقبة عن إلقاء القبض على القاتل الرئيسي، وهو شقيق الضحية بمعاونة اثنين من أبناء عمومتها. كشفت الاعترافات والمحاضر الجنائية أن الدافع الحقيقي تمثل في رفض الشابة الخضوع لمحاولات متكررة من أسرتها لتزويجها قسراً من ابن عمها بعد انفصالها عن زيجتين سابقتين أُكرهت عليهما مبكراً وتخللتهما اعتداءات جسدية مستمرة، مما حدا بالأسرة إلى اتخاذ قرار تصفيتها جسدياً في الشارع وإلباس الجريمة رداء “الدفاع عن الشرف” لنيل تعاطف محيطهم الاجتماعي.
“لا تُسفك دماء النساء في قضايا ما يُسمى بـ’غسل العار’ بسبب خروجهن عن الفضيلة، بل يسبق ذلك دوماً مسار طويل من محاولات الإفلات من التحرش الأسري أو رفض الإكراه على الزواج؛ الشرف ليس محركاً للجريمة، بل غطاء دعائي يُصطنع بعد وقوعها للتنصل من المسؤولية الجنائية.”
إسكات الضحايا وغطاء “غسل العار” في قضية طيبة العلي
أقدم والد المدونة الشابة طيبة العلي في شباط/فبراير 2023 على خنقها حتى الموت أثناء نومها في محافظة الديوانية، عقب عودتها المؤقتة إلى العراق. سارعت غرف النشر الإلكتروني وحسابات متطرفة على شبكات التواصل إلى تأطير الجريمة باعتبارها دفاعاً شرعياً عن سمعة العائلة إثر مغادرة الضحية للبلاد واستقرارها في تركيا، ومحاولة إلصاق تهم الانحراف بمسلكياتها الشخصية.
أظهرت المتابعة الأمنية والوثائق الصوتية المسجلة التي تقدمت بها المجنى عليها سابقاً إلى الجهات المختصة أن هجرتها خارج العراق لم تكن بدافع التمرد السلوكي، بل جاءت فراراً من اعتداء وتحرش جنسي متكرر اتهمت به شقيقها، وسبق أن تقدمت ببلاغات وشكاوى طالبت فيها بالحماية الجنائية. كما كشفت محاضر التحقيق أن عملية القتل جرت عبر استدراج الضحية إلى لقاء عائلي بوعود وهمية لتسوية الخلاف تحت مظلة وساطات اجتماعية تابعة للأجهزة الأمنية، ليتم خنقها عمداً بصورة مبيتة مع محاولة الجاني التذرع بـ”غسل العار” بغية استدعاء موانع وأعذار تخفيف العقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات.
فبركة سيناريو الانتحار في قضية الطبيبة بان زياد طارق
شكلت وفاة الطبيبة بان زياد طارق في محافظة البصرة في آب/أغسطس 2025 محطة بالغة الخطورة في استخدام المنصات الرقمية للتعتيم على الجريمة. أطلقت حسابات إلكترونية منسقة سرديتين متناقضتين: الأولى تروج لفرضية الانتحار بسبب أزمة نفسية واكتئاب حاد ناتج عن ضغوط العمل، والأخرى تصف ما جرى بأنه “حادث عائلي مغلق يمس الشرف ولا يجوز تداوله علناً”.
أسقط الكشف الميداني وتقرير الطب العدلي الأولي فرضية الانتحار جملة وتفصيلاً؛ إذ بين الفحص الطبي الجنائي وجود قطوع نافذة وعميقة في معصمي الضحية وصلت إلى عظم الساعد (بعمق 9 سم في يد و6 سم في اليد الأخرى)، وهي إصابات يستحيل طبياً إحداثها ذاتياً بكلتا اليدين بالنظر إلى تلف الأوتار الحركية. علاوة على ذلك، أظهرت المعاينة كدمات رضية متفرقة على الوجه والكتفين، وأثراً حلقياً كدمياً حول العنق يقطع بوقوع الخنق الجنائي، مع اختفاء الأداة الحادة المستخدمة من مسرح الحادث. وأثبتت المتابعات النيابية والقضائية حدوث تعطيل متعمد لمنظومة كاميرات المراقبة المنزلية قبل الواقعة وأثناءها، وإقدام ذوي الضحية على غسل وتنظيف مسرح الجريمة لطمس الأدلة البيولوجية، وممارسة ضغوط لتسلم الجثة ودفنها سريعاً دون تشريح، مما قطع بأن الحادثة جريمة قتل عمدي نُسجت حولها رواية الانتحار لتوفير الإفلات من العقاب.
| القضية والضحية | السردية التبريرية المتداولة رقمياً | وقائع التحقيق الجنائي والأدلة والطب العدلي | التكييف الجزائي الصحيح | تقييم الادعاء وفق معايير التدقيق |
| نورزان الشمري (بغداد، آب 2021) | جريمة اعتداء جنسي من مجهولين، أو قصاص عائلي لـ”سلوك فاضح”. | نفي الطب الشرعي لأي اعتداء جنسي؛ الجريمة قتل مخطط نفذه شقيقها وأبناء عمومتها لرفضها الإجبار على الزواج. | قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد (المادتان 405 و406). | مضلل ومختلق |
| طيبة العلي (الديوانية، شباط 2023) | “غسل عار” مشروع ضد فتاة عاصية هربت خارج البلاد وأساءت لأسرتها. | خنق عمد أثناء النوم؛ الهروب كان للنجاة من تحرش شقيقها مع وجود بلاغات استغاثة موثقة سابقة11. | قتل عمد (مع محاولة غير مستوفية لشروط المادة 409). | مضلل ومجتزأ السياق |
| د. بان زياد طارق (البصرة، آب 2025) | انتحار ناتج عن انهيار نفسي واكتئاب؛ أو “شأن عائلي خاص يمس العرض”. | الطب العدلي أثبت قطوعاً نافذة للعظم، وخنقاً حول الرقبة، وتعطيلاً متعمداً للكاميرات وتنظيفاً لمسرح الجريمة. | شبهة قتل عمد جنائي تحت المتابعة القضائية المشددة. | مفبرك وتضليل ممنهج |
فحص ادعاء “الحوادث الفردية المعزولة” عبر البيانات الرسمية
يستند الخطاب الممانع للإصلاح التشريعي إلى ترويج أرقام مضللة تدعي أن وقائع العنف الأسري والقتل ضد الإناث لا تتعدى حالات نادرة واستثنائية تحدث في أي مجتمع، وبالتالي لا تبرر الحاجة إلى سن “قانون مناهضة العنف الأسري” أو تأسيس منظومة حماية مؤسسية تتدخل في الخصوصية الأسرية. تدحض السجلات الإحصائية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى، والتقارير الأمنية لوزارة الداخلية، والبيانات الحقوقية، هذا الادعاء بصورة قاطعة، مبرزة تصاعداً كمياً متواصلاً في معدلات الاعتداءات والنزاعات الأسرية المحالة إلى القضاء.
تكشف مراجعة البيانات القضائية لمجلس القضاء الأعلى الاتحادي أن المحاكم العراقية تلقت خلال عام 2021 والنصف الأول من عام 2022 ما يزيد على 32 ألف دعوى عنف أسري، في حين أغلقت إحصائية عام 2022 على تسجيل 21,595 دعوى تعنيف رسمي شملت النساء والأطفال والمسنين. وتواصل هذا المنحنى التصاعدي خلال عام 2023 بتسجيل 18,436 دعوى عنف أسري في عموم محاكم الاستئناف، حيث أفادت القاضيات في المحاكم المتخصصة بأن أكثر من 18 ألف حالة تعنيف طالت النساء على وجه التحديد، مع تمركز النسبة الكبرى في الاعتداءات الجسدية الناجمة عن علاقات الزواج.
تؤكد إحصاءات وزارة الداخلية العراقية المعلنة رسمياً في حزيران/يونيو 2024 تسجيل 13,857 دعوى عنف أسري خلال الأشهر الخمسة الأولى فقط من ذلك العام، واستأثرت الإناث بنسبة 73% من مجمل الضحايا، في حين احتل الاعتداء البدني الصدارة بنسبة تفوق بقية الأشكال، وسجلت العاصمة بغداد وحدها 31% من مجمل هذه الانتهاكات.
بلغت هذه الأرقام ذروتها وفق الرصد الصادر عن المرصد العراقي لحقوق الإنسان لعام 2025، حيث وثق تسجيل 36,289 بلاغاً وشكوى رسمية تتعلق بالعنف الأسري، متضمنة 19,587 اعتداءً من الأزواج على الزوجات، مسجلة قفزة قياسية تعادل زيادة بنسبة 150% مقارنة بالسنوات السابقة.
“عندما توثق المحاكم الرسمية أكثر من 36 ألف بلاغ تعنيف خلال عام واحد، وتكشف السجلات الأمنية أن 73% من الضحايا هن من الإناث، فإن الحديث عن ‘حالات فردية شاذة’ يسقط إحصائياً، ليحل محله واقع يؤكد وجود عنف هيكلي مستمر يستلزم تدخلاً تشريعياً عاجلاً.”
| الفترة الزمنية | عدد دعاوى وبلاغات العنف الأسري المسجلة | النسبة المستهدفة للنساء والزوجات | الجهة الرسمية المصدرة للبيانات | الدلالة الإحصائية المقارنة |
| 2021 – منتصف 2022 | أكثر من 32,000 دعوى قضائية. | الفئة الأكثر تضرراً تتركز في النساء. | مجلس القضاء الأعلى الاتحادي. | إثبات استمرارية النزاعات الأسرية الحادة وتراكمها. |
| 2022 | 21,595 دعوى قضائية. | الغالبية العظمى تستهدف الزوجات والأطفال. | دائرة العلاقات العامة بمجلس القضاء الأعلى. | نفي الطابع الفردي العابر للانتهاكات الأسرية. |
| 2023 | 18,436 دعوى قضائية. | أكثر من 18,000 حالة تعنيف ضد النساء. | بيانات مجلس القضاء والمحاكم المتخصصة. | ثبات معدلات استهداف الإناث كنمط سلوكي سائد. |
| 2024 (يناير – مايو) | 13,857 دعوى رسمية. | 73% إناث مقابل 27% ذكور. | الناطق الرسمي لوزارة الداخلية العراقية. | وتيرة متسارعة تناهز 2,770 دعوى في الشهر الواحد. |
| 2025 | 36,289 شكوى وبلاغاً مسجلاً. | 19,587 اعتداء مباشر من الأزواج على الزوجات. | المرصد العراقي لحقوق الإنسان / تقارير الداخلية. | طفرة إحصائية تتجاوز 150% وتؤكد تأصل الظاهرة. |
توضح المؤشرات الميدانية الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة، لا سيما صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) ومنظمة الصحة العالمية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، أن الأرقام القضائية المحصورة لا تعكس سوى الجزء الظاهر من كتلة العنف الممتدة في الظل الجنائي. تشير تقديرات الصندوق إلى أن نحو 46% من النساء المتزوجات في العراق واجهن شكلاً واحداً على الأقل من أشكال العنف الزوجي الجسدي أو النفسي أو اللفظي، في حين عانت 80% من النساء من صور متعددة من التحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي. وارتفعت البلاغات المرتبطة بالعنف المنزلي إلى 94% من مجمل حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي في أوقات الأزمات وحالات الإغلاق.
يعود التباين بين الإحصاءات الرسمية والواقع الميداني المعاش إلى ما ترصده المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق بوصفه “إكراهاً بنيوياً” يحول دون وصول الضحايا إلى مراكز العدالة، حيث ترغم الأعراف القبلية والضغوط الأسرية المجنى عليهن على سحب الدعاوى واللجوء إلى “التراضي العشائري”، فضلاً عن غياب دور الإيواء الحكومية المحصنة وقوانين حماية الشهود، ما يبرهن على أن تصوير العنف كـ”حوادث فردية معزولة” يمثل تزويراً متعمداً للحقائق لتفريغ المطالب الحقوقية من مشروعيتها.
البيئة التشريعية كرافعة لتوليد السرديات التبريرية
لا يتحرك التضليل الرقمي المدافع عن مرتكبي العنف الأسري في فراغ قيمي أو معزول عن المنظومة التشريعية القائمة، بل يستمد مسوغاته وتأثيره من وجود نصوص قانونية تقليدية متوارثة في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل تكرس اللاتكافؤ الجندري وتمنح الجناة منافذ إفلات أو تخفيف من المسؤولية الجنائية. تستغل الحملات المضللة هذه النصوص لخلط المفاهيم بين الحقوق الدستورية والأعراف الاجتماعية لتبرير ارتكاب الجرائم.

تنص المادة (41/ الفقرة 1) من قانون العقوبات على أنه “لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون، ويعتبر استعمالاً للحق: تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً”. يمنح هذا النص المتهمين سنداً لتوصيف الضرب المبرح والإيذاء البدني بوصفه ممارسة “تأديبية” مباحة تقع خارج نطاق التجريم، ورغم أن المحكمة الاتحادية العليا أصدرت قرارات تفسيرية تؤكد أن حق التأديب لا يبيح العنف الجسدي أو الإضرار بالأعضاء، فإن ردها لدعاوى الطعن بعدم دستورية المادة أبقى على المفهوم العائم الذي يوظف رقمياً لإسقاط المسؤولية الجنائية عن المعنفين.
كما تفتح المادة (128) من القانون ذاته الباب واسعاً للمحاكم لتخفيف العقوبات الجزائية إذا ارتكبت الجريمة لـ”باعث شريف”، وهو مصطلح فضفاض لم يضع له المشرع تعريفاً منضبطاً، ما يتيح للدفاع الجنائي تحوير أسباب القتل وتصويرها كرد فعل عاطفي دفاعاً عن كرامة العشيرة أو الأسرة. وتكتمل هذه المنظومة بالمادة (409) التي تعاقب بالحبس مدة “لا تزيد على ثلاث سنوات” من فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبس بالزنا أو وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلهما في الحال أو اعتدى عليهما اعتداء أفضى إلى الموت أو العاهة المستديمة.
على الرغم من أن شروط المادة 409 تتطلب حكماً المباغتة المباشرة والمفاجأة الحسية لواقعة الزنا، فإن الخطاب الرقمي المضلل يسقط هذه المحددات الصارمة عمداً، ويروج لوهم شائع يقتضي أن مجرد الشك، أو تداول صور خاصة، أو خروج المرأة دون إذن، يمنح ذويها الحق في قتلها والحصول على حكم قضائي مخفف لا يتجاوز سنوات معدودة، وهو ما يفسر لجوء الجناة إلى تلفيق اتهامات تمس عفة الضحايا بعد تصفيتهن بغية توجيه التحقيق نحو هذا المسار.
تتصادم هذه المواد التمييزية تصادماً صريحاً مع نصوص الدستور العراقي الدائم لعام 2005، الذي نصت مادته (14) على أن “العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس”، وأكدت مادته (15) كفالة “الحق في الحياة والأمن والحرية لكل فرد”، في حين ألزمت المادة (29/ رابعاً) الدولة صراحة بـ”منع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع”، وهو ما يجعل الإبقاء على تلك المواد العقابية وتوظيفها الرقمي انتهاكاً للمبادئ الدستورية الملزمة وتفريغاً لها من محتواها.
الأثر الجندري للتضليل وإعادة إنتاج لوم الضحية
يؤدي تضافر السرديات التبريرية والأرقام المغلوطة إلى إحداث أثر جندري مدمر يتجاوز حدود القضية الفردية المنظورة، حيث يعمل التضليل الرقمي كمنظومة قمعية موازية تعيد ترسيخ علاقات الهيمنة الذكورية وتنزع الحماية الإنسانية والقانونية عن النساء في المجالين العام والخاص.
تنشط حملات “لوم الضحية” (Victim Blaming) عبر آلية نفسية واجتماعية تسعى إلى تحويل الانتباه المجتمعي من الجريمة البشعة التي اقترفها الجاني إلى التدقيق في اختيارات الضحية وسلوكياتها وظهورها7. بمجرد وقوع جريمة قتل أو تعنيف، تبدأ جيوش إلكترونية ومنصات غير مهنية في نبش التاريخ الرقمي للمجنى عليها، واستعراض صورها، ونمط ملابسها، وخياراتها الحياتية، وطرح تساؤلات تشكيكية حول مشروعية بقائها خارج المنزل أو أسباب امتلاكها لحسابات مستقلة.
يحقق هذا التكتيك غايتين جندريتين:
- أولاً، تجريد المجنى عليها من صفة “الضحية” (De-victimization) وتحويلها في المتخيل الجمعي إلى طرف مذنب استفز المحيط العائلي ودفع الجاني إلى ارتكاب فعلته دفاعاً عن كرامته المهدورة، وبذلك يصبح القاتل أو المعنف ضحية لـ”تمردها” أو “سوء سلوكها”.
- ثانياً، بث رسالة ردع وترهيب جمعي لكافة النساء والفتيات بأن أي محاولة للخروج عن الهيمنة أو التبليغ عن الانتهاكات الجسدية ستواجه بتواطؤ مجتمعي يبيح تصفيتهن معنوياً بعد تصفيتهن جسدياً، مما يكرس الصمت القسري ويحول دون لجوء الناجيات إلى أجهزة العدالة الجنائية.
يمتد هذا التضليل ليمارس دوراً سياسياً وتعبوياً في عرقلة تشريع “قانون مناهضة العنف الأسري”، المحتجز في أروقة البرلمان العراقي منذ إرساله من الحكومة ورئاسة الجمهورية عامي 2019 و2020. تقود كتل برلمانية محافظة وأحزاب دينية وعشائرية حملات إعلامية منظمة تصم نصوص القانون بكونها “مؤامرة غربية لتفكيك الأسرة المسلمة وتشجيع تمرد الفتيات على أولياء أمورهن”.
“إن لوم الضحية والتشكيك بسلوكها ومظهرها الرقمي ليس مجرد انحياز مجتمعي عابر، بل هو عملية ‘تصفية معنوية’ ممنهجة تهدف إلى حرف مسار العدالة وتحويل الجاني إلى معذور، وترهيب الناجيات الأخريات من مغبة كسر الصمت واللجوء إلى القانون.”
يركز الهجوم المضلل على البند المركزي الخاص بإنشاء “المراكز الآمنة” (دور الإيواء) المنصوص عليها في المادتين (1) و(7) من مشروع القانون لحماية المعنفات تحت إدارة وزارة العمل ومراقبة القضاء. تشوه السرديات الرقمية هذه الملاذات بوصفها “أوكاراً لإفساد النساء والهروب من وصاية الأسرة”، في حين تثبت بنود المسودة أن دخول المراكز الآمنة لا يتم إلا بموجب “قرار حماية” قضائي مسبب يصدره قاضي التحقيق المختص، وبإشراف مباشر من مديرية حماية الأسرة في وزارة الداخلية والباحثين الاجتماعيين. يؤول هذا التحريف المتعمد للحقائق إلى وأد التشريع، وإبقاء الضحايا حبيسات المنازل العنيفة دون ملاذ آمن، ووضعهن أمام خيارين: تقبل الموت تعنيفاً أو مواجهة الشارع والقتل بذريعة الشرف.
خلاصة الفحص والتدقيق الموضوعي
يخلص التدقيق والتقصي المقارن المستند إلى المعايير المهنية المعتمدة للتحقق من المعلومات الجنائية والمجتمعية إلى تحديد طبيعة الادعاءات وفحصها على النحو الآتي:
- ادعاء “القتل بدافع الدفاع الشرعي عن الشرف والأخلاق”: ادعاء كاذب وتضليلي. تثبت محاضر الأدلة الجنائية، والاعترافات القضائية، وتقارير الطب العدلي في القضايا المفحوصة، أن الجرائم تنطلق من دوافع جنائية محضة تتعلق برفض الزواج القسري، والنزاعات المالية، والفرار من اعتداءات جنسية داخل الأسرة، مع لجوء الجناة إلى اختلاق ذرائع الشرف أو تزييف مشاهد الانتحار للتهرب من تكييف القتل العمد المشدد.
- ادعاء “العنف الأسري حوادث فردية معزولة لا تبرر تشريع قانون”: ادعاء مضلل ومخالف للبيانات الرسمية. تؤكد الإحصاءات الرسمية الموثقة لمجلس القضاء الأعلى تسجيل ما يزيد على 32 ألف دعوى بين 2021 ومنتصف 2022، و18,436 دعوى في 2023، وقرابة 14 ألف دعوى في خمسة أشهر فقط من عام 2024 (73% من ضحاياها نساء)، وأكثر من 36 ألف بلاغ رسمي في عام 2025، مما يحسم تحول العنف الأسري إلى نمط هيكلي متصاعد يستوجب إطاراً تشريعياً رادعاً ومستقلاً.
- ادعاء “دور الإيواء ومراكز الحماية مؤامرة لتفكيك الأسرة”: ادعاء مضلل ومجتزأ السياق. تبرهن القراءة القانونية لمسودة قانون مناهضة العنف الأسري على أن المراكز الآمنة تخضع لرقابة قضائية وأمنية تامة بموجب قرارات قضاة التحقيق لحماية الأرواح المعرضة للخطر الداهم، وتجسد التزاماً دستورياً بموجب المواد (14 و15 و29) لحماية الأسرة من التفكك الناتج عن الإيذاء والإفلات من العقاب.
مصادر التحقق المعتمدة:
- مجلس القضاء العراقي: أكثر من 32 ألف دعوى عنف أسري – القدس العربي
- ارتفاع معدلات العنف الأسري: أكثر من 18 ألف حالة تعنيف ضد النساء – مجلس القضاء الأعلى العراقي
- 5 آلاف حالة في 2021.. لهذه الأسباب تزداد معدلات العنف الأسري في العراق – الجزيرة نت
- العنف الأسري في العراق: قرابة 14 ألف دعوى منذ بداية 2024 وهذه إحصائيات السنوات السابقة – شبكة إنفوبلس
- تفاصيل إحصائيات العنف الأسري وتصاعدها – كوردستان 24
- العراق: 14 ألف حالة عنف أسري عام 2024 – العربي الجديد
- إحصائية: أكثر من 36 ألف حالة عنف أسري في عام 2025 – المرصد العراقي لحقوق الإنسان
- المحاكم تسجل 21595 دعوى تعنيف أسري خلال عام 2022 – مجلس القضاء الأعلى
- ماذا سيكشف الطب العدلي حول قضية الطبيبة العراقية بان زياد؟ – إندبندنت عربية
- العراق: مقتل الدكتورة بان زياد طارق جريمة قتل عمد تكشف عمق أزمة العنف ضد النساء – مركز جنيف الدولي للعدالة
- السلطات العراقية تكشف ملابسات مقتل الشابة نورزان الشمري – العين الإخبارية
- تفاصيل مقتل حسناء بغداد نورزان الشمري – جريدة الدستور
- القصة الكاملة والتقرير الطبي لمقتل نورزان الشمري – صدى البلد
- الحقيقة الكاملة لمقتل حسناء بغداد وتفنيد جرائم الشرف – صدى البلد
- العراق: وقفة احتجاجية نسائية بعد مقتل طيبة العلي – سكاي نيوز عربية
- تظاهرات نسوية تدعو لمحاسبة قاتل طيبة العلي – طريق الشعب (IDU)
- غسل العار والعنف الأسري حجة تثير رعب العراقيات ومطالبات بإلغاء المادة 409 – أخبار الآن
- مقتل اليوتيوبر طيبة العلي يثير صدمة واسعة في العراق – أمواج ميديا
- القتل العمد في العراق تحت مسمى غسل العار – القدس العربي
- تفاصيل خنق طيبة العلي ومحاضر الشكاوى – منصة المنصة
- منشورات ترويج فرضية “الحوادث الفردية المعزولة” على شبكات التواصل
- بان زياد تجسّد المأساة: تُقتل المرأة وتُلفق رواية “الانتحار” – درج ميديا
- مسودة مشروع قانون مناهضة العنف الأسري – رئاسة جمهورية العراق
- ظاهرة العنف الأسري في العراق: أسبابها وموقف الدستور – المجلة الدولية لنشر الدراسات العلمية (IAJPHSS)
- قراءة في مسودة قانون مناهضة العنف الأسري – مركز البيان للدراسات والتخطيط
- المحكمة الاتحادية: حق التأديب لا يبيح العنف ضد الزوجة أو الأبناء أو الطلبة – الترا عراق
- تفسير دستورية حق التأديب في قانون العقوبات – المحكمة الاتحادية العليا
- المحكمة الاتحادية: حق التأديب لا يبيح العنف ضد الزوجة والأطفال – كركوك ناو
- العنف ضد المرأة في المجتمع العراقي: دراسة قانونية قضائية إحصائية – هيئة الأمم المتحدة للمرأة
- مقابر المخطئات: بذريعة الشرف إفلات القتلة من العقاب والمادة 409 – شبكة نيريج بالتعاون مع أريج
- المادة 409 وجرائم قتل النساء تحت ذريعة غسل العار – جريدة الصباح
- Gender-Based Violence and Mental Health in Iraq: UNFPA Data – PubMed Central (PMC)
- Scorecard on Gender-based Violence in Iraq – صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)
- How Many More Women Should Suffer Before There Is a Law to Protect Them? – صندوق الأمم المتحدة للسكان في العراق
- تصريحات نيابية معارضة لمشروع قانون العنف الأسري ومراكز الحماية – السومرية
- مواقف الكتل النيابية الرافضة لدور الإيواء – شفقنا العراق
- الدستور العراقي ومنظومة حماية الأسرة وأشكال العنف الأسري – وزارة الداخلية العراقية
- ملاذات آمنة ومحاكم مختصة ومديرية في الداخلية.. حراك لإقرار قانون العنف الأسري – شبكة 964
- سرديتان عن موت الطبيبة بان.. كلّ جيش إلكتروني يدافع عن سردية – منصة جمار
- الإهمال الحكومي والطبيعة القبلية يفشلان بيوت إيواء المعنفات في العراق – شبكة نيريج
- العنف الأسري في العراق: مسودات قوانين وخلافات دور الإيواء – السفير العربي
- مخاطر لوم الضحية والتشكيك بسلوكها في جرائم العنف – جريدة طريق الشعب
- التغطية الإعلامية الآمنة ومناهضة لوم الضحية في العنف الرقمي – المفوضية العليا لحقوق الإنسان
- الأبعاد القانونية لظاهرة لوم الضحية في الفضاء الإلكتروني – مؤسسة سيكديف (SecDev)
الانتقال من لوم الضحية إلى مواجهة العنف البنيوي – مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان[cite: 44] - قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل (المادتان 41 و128) – RWI
- قانون مناهضة العنف الأسري: رحلة خذلان المُعنفات والمعنفين في العراق – منصة جمار
Share this content:



إرسال التعليق