جاري التحميل الآن

التضليل الرقمي الممنهج ضد النساء في الفضاء العام والسياسي العراقي: الآليات التقنية، الرصد الجنائي والأثر

فريق التحرير

ديناميات التضليل الموجه اتجاه النساء وسياق الاستهداف في العراق

يشهد الفضاء الرقمي في العراق تحولاً بنيوياً حاداً تحولت معه منصات التواصل الاجتماعي من مساحات واعدة للتعبير والتنظيم المدني إلى ساحات حرب هجينة غير متكافئة. يتخذ التضليل الرقمي الموجه ضد النساء في الفضاءين العام والسياسي طابعاً ممنهجاً يتجاوز مجرد المناكفات الحزبية العابرة، إذ يعتمد استراتيجية “التضليل اتجاه الفئات الضعيفة او النساء” كأداة قمعية مركبة لاغتيال الشخصية وتقويض الأهلية القيادية. وتعرّف الأدبيات الحقوقية والأكاديمية هذا النمط بأنه إنتاج ونشر معلومات ووسائط كاذبة، أو محرفة، أو منزوعة من سياقها تستند صراحة إلى قوالب نمطية ونزعات كراهية متجذرة في البنى الأبوية، بهدف تجريد النساء في مواقع المسؤولية أو الحراك العام من المصداقية، وفرض كلفة مجتمعية ونفسية باهظة تُجبرهن على الانكفاء والانسحاب.

يتجلى هذا الاستهداف بأوضح صوره إبان المحطات السياسية والانتخابية المفصلية؛ فخلال الاستحقاقات النيابية ومجالس المحافظات، وثقت التقارير الرقابية مئات الانتهاكات الرقمية الموجهة التي تركزت على الطعن في الشرف والسلوك الأخلاقي للمرشحات، بدلاً من مناقشة البرامج الانتخابية أو الكفاءة الوظيفية. وقد امتد هذا السلوك إلى تدمير وتمزيق الملصقات الانتخابية للمرشحات وتشويهها بعبارات جنسية خادشة. ومثل هذه الهجمات لا تستهدف المستقلات فحسب، بل تطال سياسيات عبر مختلف الأطياف؛ حيث تعرّضت النائبة التركمانية منى قهوجي لحملات تشهير وتزييف واسعة لصورها ومقاطعها إثر مواقفها المعارضة للقرارات المتعلقة بتمثيل المكونات. وتكرر هذا المشهد في حالات سابقة كاستهداف المرشحة الأكاديمية انتظار أحمد جاسم عبر فبركة مقاطع مصورة نُسبت إليها لابتزازها ودفعها للانسحاب من السباق الانتخابي وحرمانها من موقعها الوظيفي.

ولم يقتصر الاستهداف على المرشحات البرلمانيات، بل شكل استراتيجية قمع ممنهجة ضد الناشطات والصحفيات خلال احتجاجات تشرين، حيث شنت جيوش إلكترونية حملات منسقة وصمت المتظاهرات بـ “الانحلال الأخلاقي” والعمالة لجهات أجنبية، مع نشر صور ومقاطع مركبة للنيل من سمعتهن العائلية لكسر مشاركتهن الميدانية. وتكرر النمط عينه في الحراك المدني المناهض لمشاريع تعديل قانون الأحوال الشخصية، حيث واجهت الحقوقيات والناشطات آلاف المنشورات المضللة التي استهدفت تشويه دوافعهن وتخوينهن مجتمعياً. وتتغذى هذه الحملات على هشاشة الحماية الحزبية؛ حيث تتعامل الأحزاب السياسية المهيمنة مع النساء كأداة شكلية لتلبية الكوتا الدستورية، متخلية عن توفير الدعم المالي واللوجستي أو الدفاع الرقمي عنهن عند تعرضهن لحملات التشويه، بل والانخراط أحياناً في تغذية تلك الحملات ضد المنافسات.

المؤشر الرقمي والسياسيالقيمة الإحصائية المسجلةالدلالة الهيكلية والتأثيرية
تمثيل النساء في مجلس النواب العراقي84 مقعداً من أصل 329 مقعداًتراجع ملحوظ مقارنة بانتخابات 2021 (97 مقعداً)، مع الاقتصار على الحد الأدنى للكوتا
تمثيل النساء في مجالس المحافظات76 مقعداً (منهن 17 مقعداً خارج نظام الكوتا)وجود قاعدة تصويتية نسائية تصطدم ببيئة انتخابية ورقمية معادية.
تمثيل النساء في السلطة التنفيذية3 حقائب وزارية من أصل 23 حقيبةاستمرار الإقصاء البنيوي عن مواقع صنع القرار المتقدمة.
معدل تعرض النساء للعنف الرقمي في العراق21% من عموم النساء (و69.2% بين الناشطات)تصاعد مطرد مع تسجيل تكرار الاعتداء الرقمي بنسبة 43% لدى الضحايا2.
نسبة النساء اللواتي يشعرن بعدم الأمان الرقمي50% من المستخدمات (الأعلى بين المدافعات عن الحقوق)فرض رقابة ذاتية قسرية والانسحاب من النقاشات السياسية الحساسة.
مصادر الهجمات الرقمية المرصودة25% أحزاب حاكمة، 15% فصائل مسلحة، 14% رجال دين، 8% شيوخ عشائرتحالف مراكز القوى التقليدية لتوظيف التضليل كأداة ردع سياسي ومجتمعي.

ترسانة التلاعب بالوسائط المتعددة: الآليات التقنية وسرديات النيل من الأهلية

تتنوع الآليات التقنية التي تعتمدها غرف العمليات التضليلية لاستهداف الشخصيات العامة النسائية في العراق بين تكتيكات التزييف السطحي منخفضة التقنية ولكنها شديدة الفعالية، وصولاً إلى الأدوات التوليدية المتقدمة التي تجعل التحقق البصري بالعين المجردة أمراً بالغ التعقيد.

يُمثّل التضليل القائم على انتزاع الوسائط الحقيقية من سياقها الزمني والمكاني النمط الأكثر تفشياً؛ إذ يعتمد على التقاط صور أو مقاطع فيديو غير مسيئة من الأرشيف الشخصي لناشطة أو سياسية، كحضور مؤتمر خارجي أو مناسبة اجتماعية خاصة، وإعادة تدويرها داخل أطر مضللة تزعم وجودها في “أماكن مشبوهة” أو انخراطها في سلوكيات منافية للأعراف السائدة2. وتكمن خطورة هذا التكتيك في احتفاظ المادة البصرية بخصائصها الفيزيائية الأصلية دون تعديل، مما يُعطل كواشف التلاعب الخوارزمية ويجعل المتلقي العادي يتقبل السردية الكاذبة المرفقة بها بوصفها حقيقة ثابتة وموثقة4.

ومع التطور المتسارع للنماذج التوليدية القائمة على شبكات الخصومة التوليدية، دخل التضليل مرحلة التزييف العميق عبر استبدال الوجوه بدقة متناهية لنقل ملامح المستهدفة وتركيبها على أجساد ممثلات في محتويات مخلة، وهي الآلية الأكثر فتكاً في البيئة العراقية نظراً لاستنادها إلى مفاهيم الشرف والعيب المجتمعي2. يترافق ذلك مع تقنيات المزامنة الشفاهية وتعديل حركة الوجه والتعبيرات البصرية لتبدو السياسية وكأنها تدلي بتصريحات متطرفة أو مستفزة دينياً وعشائرياً لم تصدر عنها قط8. كما يشهد الميدان تصاعداً في استنساخ البصمة الصوتية عبر تغذية الخوارزميات بمقاطع قصيرة من اللقاءات التلفزيونية للمستهدفة لإنتاج تسجيلات صوتية مفبركة تتضمن اعترافات وهمية بتلقي رشى أو التخابر مع سفارات أجنبية، مما يدمج الإسقاط الأخلاقي بالاتهام الجنائي والأمني2.

تكتمل هذه الترسانة بفبركة المراسلات النصية والمستندات الإدارية؛ حيث تُوظّف مولدات الدردشة المزيفة لتصميم لقطات شاشة تحاكي تطبيقات واتساب وتيليغرام لتبدو وكأنها تسريبات لمحادثات خاصة تدين المستهدفة وتكشف علاقات مشبوهة2. ويتزامن ذلك مع تزوير الكتب والمخاطبات الرسمية الصادرة زوراً عن هيئات رقابية كهيئة النزاهة أو المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عبر تزييف الأختام والتواقيع، ونشرها على أنها وثائق مسربة تؤكد استبعاد المرشحة أو صدور أوامر قبض بحقها قبل أيام معدودة من الاقتراع، مما يعطل حملاتها ويصيب قواعدها الانتخابية بالإرباك التام قبل أن يتسنى دحض تلك المزاعم9.

بروتوكول الفحص والتحقق الجنائي الرقمي للوسائط المتعددة

يتطلب إثبات فبركة المحتوى الموجه ضد النساء تفكيك المادة البصرية عبر سلسلة من الإجراءات الجنائية المنهجية التي تهدف إلى إبطال السردية المضللة وتقديم أدلة قطعية تدحض التزييف وتسترجع السياق الحقيقي11.

تبدأ العملية الجنائية بحفظ الرابط والنسخة الأصلية وحساب البصمة الرقمية التشفيرية مثل خوارزمية التجزئة الآمنة لضمان سلامة الأدلة الرقمية من أي تعديل أثناء الفحص15. يلي ذلك استخدام محركات البحث العكسي المتخصصة كـ Google Images وTinEye وYandex لتتبع مسار الظهور الأول للصورة وتاريخ نشرها الأصلي عبر الإنترنت10. وعند التعامل مع مقاطع الفيديو المضللة، تبرز إضافة InVID-WeVerify كأداة حاسمة تتيح تقطيع الفيديو إلى إطارات مفتاحية متعاقبة وإخضاع كل إطار لعمليات بحث عكسي مستقلة للكشف عما إذا كان المقطع مقتطعاً من سياق قديم أو جرى تصويره خارج الحدود العراقية ونُسب زوراً للشخصية المستهدفة

ينتقل التحقيق بعد ذلك إلى مرحلة التحليل الجنائي للصور باستخدام أدوات متقدمة مثل FotoForensics والمكونات الجنائية المدمجة في InVID. يرتكز هذا الفحص على تطبيق تقنية تحليل مستوى الخطأ التي تقيس معدلات ضغط ملفات الصور؛ حيث يؤدي دمج عنصر دخيل، كوجه شخصية عامة على جسد آخر، إلى ظهور تباينات لونية ساطعة وشاذة حول الحواف المعدلة مقارنة ببقية أجزاء الصورة التي تحتفظ بمستوى ضغط متجانس. وتتعزز هذه النتيجة بفحص التكميم المزدوج الذي يرصد خضوع أجزاء محددة من الصورة لدورات حفظ متكررة عبر برمجيات التحرير الرقمي، إلى جانب تحليل شبكة الكتل المخصص لملفات صور بمصفوفات ثمانية بكسلات، والذي يكشف أي انكسار أو انزياح في انتظام تلك الشبكة ناتج عن عمليات القص واللصق التركيبي. ويُستكمل الفحص باستخراج البيانات الوصفية لقراءة التواريخ وسجلات البرمجيات ونوع الكاميرا ما لم تكن المنصات قد أزالتها تلقائياً.

وفي مواجهة التزييف العميق والمحتوى التوليدي، يركز التحقيق على رصد العيوب البصرية والفيزيائية الدقيقة التي تعجز النماذج الاصطناعية الحالية عن ضبطها8. يشمل ذلك تفحص الشذوذ البيولوجي مثل انتظام ومعدل رمش العين، وعدم اتساق انعكاسات مصادر الضوء داخل بؤبؤ العين مع البيئة المحيطة، وتداخل حواف الشعر والأذنين والأسنان بشكل ضبابي مع الخلفية8. كما يتم التدقيق في الحدود الفاصلة للرقبة والوجه لرصد الارتجافات الضوئية واختلاف درجات لون البشرة أثناء حركة الرأس، بالتوازي مع إجراء تحليل طيفي للموجات الصوتية لكشف الانقطاعات الترددية وغياب أنماط التنفس الطبيعية ومطابقة حركة الشفاه بدقة مع النبرة الصوتية8.

الأداة الجنائية والتقنيةالخاصية التحليلية الأساسيةنوع الوسائط المستهدفةطبيعة المخرجات والدليل الجنائي
InVID & WeVerifyKeyframe Extraction & Multi-engine Reverse Searchمقاطع الفيديو المتداولةاستخراج الإطارات المفتاحية وإثبات السياق التاريخي والجغرافي الأصلي للمقطع وتفكيك التلاعب الزمني
FotoForensicsError Level Analysis (ELA)الصور الثابتة المركبةكشف التباين في مستويات ضغط البكسلات وتحديد المناطق المضافة أو المعدلة تركيبياً
InVID Forensic TabDouble Quantization & JPEG BLOCK Filtersالصور المحررة برمجياًرصد آثار التصدير المتكرر عبر برامج التصميم وانقطاع شبكة
Exiftool / Metadata ToolsMetadata & EXIF Analysisالملفات الرقمية الأوليةاستخراج طراز الكاميرا وتواريخ التعديل والبرمجيات المستخدمة وإحداثيات الموقع.
PimEyes / FaceCheck.IDBiometric Facial Recognition Searchالوجوه المقتطعةكشف الهوية الحقيقية لأصحاب الصور المسروقة وتحديد أصول المواد المستخدمة في التزييف.

الكشف عن السلوك المنسق غير الأصيل وتفكيك شبكات الجيوش الإلكترونية

لا تنطلق حملات التشويه التي تستهدف الفاعلات في الشأن العام العراقي بشكل عفوي، بل تُدار عبر منظومات تقنية منظمة تُصنف ضمن السلوك المنسق غير الأصيل (Coordinated Inauthentic Behavior)21. تهدف هذه الشبكات إلى تضخيم الروايات الزائفة اصطناعياً لخلق انطباع خادع بوجود إجماع شعبي رافض للوجود السياسي للمرأة أو مستنكر لسلوكها المدني22.

يكشف التحقيق الرقمي المنهجي عن هذه الشبكات عبر رصد مؤشرات سلوكية وبنيوية تتكرر في مختلف الحملات22. ويبرز في مقدمة هذه المؤشرات التزامن الزمني فائق الدقة، حيث تقوم عشرات الحسابات بنشر نفس المادة المضللة أو إطلاق وسم موحد خلال ثوانٍ أو دقائق معدودة في نمط تدفق مفاجئ يتعارض جذرياً مع منحنيات الانتشار الطبيعي التراكمي للنقاشات المجتمعية22. يترافق ذلك مع تكرار حرفي للنصوص والعبارات الاتهامية بحذافيرها وأخطائها الإملائية عبر حسابات تدعي استقلالية أصحابها، إلى جانب شذوذ هيكلي في بنية الحسابات نفسها؛ إذ تتميز بحداثة تاريخ إنشائها، واستخدام صور شخصية مولدة اصطناعياً تتطابق فيها أبعاد العيون هندسياً في منتصف الإطار، فضلاً عن امتلاكها أرقاماً عشوائية في معرفاتها وغياب أي تفاعل شخصي حقيقي عنها19. كما تسجل هذه الحملات اختلالات إحصائية واضحة؛ مثل تفوق عمليات إعادة النشر على نسب الإعجاب بمعدلات غير منطقية، وتدفق تعليقات تحريضية معدة سلفاً في اللحظات الأولى لنشر المنشور الأصلي22.

ولرسم الخرائط الهيكلية لهذه الحملات وتفكيك مجتمعاتها الافتراضية، يُوظف المحققون تقنيات تحليل الشبكات الاجتماعية من خلال سحب بيانات التفاعل عبر واجهات التطبيقات البرمجية وبناء شبكات الفعل المشترك القائمة على تتبع التغريد التبادلي وإعادة النشر وتشارك نفس الروابط المشبوهة. وتُستورد هذه البيانات إلى برمجيات التحليل الرسومي مثل Gephi لتطبيق خوارزمية لوفان للكشف عن المجتمعات، والتي تقيس عامل النمطية لعزل الكتل الفرعية المتجانسة وإظهار العناقيد الحسابية التي تتحرك بتناغم آلي مشبوه. كما يتيح حساب مقاييس مركزية الشبكة، كمركزية البينيات ومركزية الدرجة، تحديد الحسابات الوسيطة المسؤولة عن تمرير المضامين المضللة من غرف العمليات التابعة للأجنحة الإعلامية الحزبية وقنوات تيليغرام الموجهة إلى الفضاء العام المفتوح، وتحديد الحساب الأولي الذي بدأ إطلاق الحملة لتتبع مسار التضليل نحو مصدره السياسي أو الميليشياوي الفعلي.

الأثر والتفكيك المجتمعي والقصور المؤسسي والتشريعي

يمثل التضليل اتجاه النساء في العراق امتداداً عالي الخطورة للعنف الميسر بالتكنولوجيا؛ حيث لا تقتصر تبعاته على الإضرار بالسمعة الفردية، بل تتجاوزها لتؤسس لحالة من الإقصاء الممنهج تصيب البنية الديمقراطية الهشة في مقتل.

يؤدي التعرض المستمر لحملات التشويه إلى تكريس ما تصفه التقارير المتخصصة بـ “المنفى الرقمي”؛ حيث تُجبر السياسيات والناشطات تحت وطأة التهديدات والتعليقات البذيئة المنسقة على إغلاق حساباتهن، أو تقييد التعليقات، أو التوقف تماماً عن إبداء الآراء في القضايا العامة2. هذا الانكفاء القسري يقطع شريان التواصل المباشر بين المرشحة وقواعدها الانتخابية، ويحرمها من تغطية إعلامية عادلة في ظل هيمنة القوى التقليدية على وسائل الإعلام التقليدية، مما يؤدي تلقائياً إلى تراجع تمثيل النساء السياسي ويُكرس رسالة ردع قاسية للأجيال الصاعدة من الشابات لمنعهن من الانخراط في العمل السياسي.

تكتسب هذه الحملات خطورة مضاعفة في السياق العراقي نتيجة الاستثمار الخبيث في البنى العشائرية والأعراف الاجتماعية المحافظة التي تُعلي من مفاهيم الشرف والعرض2. ويدرك صناع التضليل أن استهداف السياسية باتهامات الفساد المالي لا يحقق أهداف التحييد بنفس الفعالية التي يحققها اختلاق فضيحة أخلاقية أو جنسية، إذ يتحول هذا المحتوى المضلل فوراً إلى تهديد مباشر لسلامتها الجسدية وحياتها تحت ذريعة “غسل العار”، أو يفرض عليها ضغوطاً عائلية وعشائرية خانقة لعزلها قسرياً وإنهاء نشاطها العام. وتتفرع عن ذلك ندوب نفسية غائرة وثقتها الدراسات الميدانية شملت نوبات قلق واكتئاب حادة وانعزالاً اجتماعياً وصولاً إلى التفكير في الانتحار.

وتتفاقم هذه المعضلة في ظل الفراغ التشريعي وغياب قانون حديث وخاص بالجرائم السيبرانية يتبنى مقاربات تراعي النساء، مما يحصر المعالجة القضائية ضمن نصوص قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل7. وتكشف الممارسة العملية عن عجز المواد الكلاسيكية كالمادتين (430 و432) المتعلقتين بالابتزاز والتهديد، والمادتين (433 و434) المتعلقتين بالقذف والسب، عن توفير الردع اللازم؛ إذ تتطلب مسارات التقاضي إجراءات إثبات معقدة وشكاوى علنية تنتهك خصوصية الضحية وتعرّضها للمزيد من الوصم الاجتماعي30. ورغم الجهود التي تبذلها الشرطة المجتمعية ومبادرات هيئة الإعلام والاتصالات، إلا أن منظومة إنفاذ القانون تفتقر إلى الكوادر المتخصصة والحماية القانونية للشهود والضحايا، فضلاً عن سيادة الإفلات من العقاب نتيجة حماية الأحزاب المتنفذة لغرف إدارة الجيوش الإلكترونية، وهو ما يفسر امتناع معظم المستهدفات عن اللجوء إلى القضاء الرسمي خوفاً من الانتقام العشائري أو تسييس الشكوى.

معايير التمييز بين النقد السياسي الموضوعي وحملات التضليل

يشكل التمييز بين النقد السياسي الموضوعي المشروع وحملات التضليل اتجاه النساء ركيزة أساسية لصون حرية التعبير ومنع تحصين أي شخصية عامة من المساءلة من جهة، وتوفير الحماية الصارمة للنساء من العنف الرقمي الموجه من جهة أخرى30. يقوم النقد الموضوعي على تفكيك السياسات ومناقشة البرامج والقرارات الإدارية للمسؤولة العامة استناداً إلى وقائع حقيقية وأدلة قابلة للتحقق دون المساس بكرامتها الإنسانية أو جنسها4. في المقابل، يمثل التضليل اتجاه النساء حملة سياسية هجومية تتخذ من النساء سلاحاً مركزياً، فتنقل المعركة من تقييم الأداء إلى الطعن في الشرف واستدعاء الأطر الأخلاقية النمطية بهدف سلب الأهلية القيادية وإجبار المستهدفة على الانسحاب.

معيار التحليل والمقارنةالنقد السياسي والوظيفي الموضوعيحملات التضليل والتشهير القائمة اتجاه النساء
محور الاستهداف الأساسيالأداء المهني، القرارات الإدارية، السياسات العامة، ومواقف التصويت البرلماني2.الحياة الشخصية، المظهر الخارجي، الجسد، العلاقات الأسرية، والشرف والسلوك الأخلاقي
قاعدة الأدلة والمصداقيةالاستناد إلى وثائق رسمية، مؤشرات إحصائية معلنة، وسجلات تصويت وقرارات موثقة في سياقها30.الاستناد إلى وسائط مفبركة ومولدة بالذكاء الاصطناعي، مقاطع مجتزأة، ومحادثات نصية مسربة ومزورة.
طبيعة اللغة والخطابلغة نقدية سياسية وقانونية موضوعية، حتى وإن كانت حادة النبرة، تدور حول المصلحة العامة4.لغة تحريضية تنطوي على إيحاءات جنسية مهينة، شتائم خادشة، وتنمر قائم على الصورة النمطية والوصم .
آلية النشر وتدفق التفاعلتفاعل مجتمعي وإعلامي عضوي (Organic) يتفاوت زمنياً ويعبر عن آراء مستقلة متباينة22.سلوك منسق غير أصيل (CIB) يعتمد حسابات وهمية، وتزامناً بالثواني، ونصوصاً متطابقة، وتمويلاً حزبياً منظماً.
الغاية والنتيجة المرجوةتقويم السياسات، المساءلة الديمقراطية، تعزيز الشفافية، وترشيد إدارة الشأن العام3.الاغتيال المعنوي للشخصية، الإرهاب النفسي، إسكات الصوت المعارض، وإقصاء المرأة عن العمل السياسي.

خاتمة ورؤية استشرافية للتحصين والاستجابة متعددة المستويات

يُمثل التضليل الرقمي الموجه ضد النساء في الفضاء العام العراقي خطراً بنيوياً داهماً يتجاوز آثاره النفسية والاجتماعية على الضحايا ليمس نزاهة العملية الديمقراطية برمتها والعدالة التمثيلية المنصوص عليها في الدستور2. إن تضافر تقنيات التزييف المتقدمة مع انتشار الجيوش الإلكترونية الحزبية والنزعات الذكورية المحافظة يوفر أداة ترهيب فعالة تُبقي المشهد السياسي حكراً على مراكز القوى التقليدية عبر تحويل الجسد والسمعة إلى أدوات ابتزاز وإسكات1.

تتطلب مجابهة هذا التحدي صياغة استراتيجية تكاملية تتحرك على مسارات متوازية؛ تبدأ تقنياً بدعم منظمات تدقيق الحقائق الوطنية كـ “التقنية من أجل السلام” ومؤسسات الحقوق الرقمية مثل “أنسم”، وتوسيع استخدام أدوات التحليل الجنائي للوسائط لرصد الشبكات التضليلية وتفكيك محتواها استباقياً قبل تحوله إلى أداة تدمير مجتمعي1. ويستوجب هذا المسار تدريب المرشحات والناشطات على بروتوكولات الأمان الرقمي وحفظ الأدلة الإلكترونية لضمان جاهزيتهن لمواجهة الاستهداف2.

وعلى الصعيد التشريعي والمؤسسي، تبرز الحاجة الملحة إلى سن قانون متطور للجرائم السيبرانية يتوافق مع المعايير الدولية لحرية التعبير ويجرم صراحة العنف الرقمي اتجاه النساء والتزييف العميق الخبيث، مع تأسيس مسارات تقاضٍ متخصصة تضمن السرية المطلقة للمشتكيات وتوفر الحماية الميدانية للضحايا لكسر حاجز الخوف والابتزاز العشائري7. وتكتمل هذه المعالجة بفرض مدونات سلوك صارمة على الكتل والأحزاب السياسية تجرّم استخدام الجيوش الإلكترونية في النزاعات الانتخابية، وإلزامها بتوفير الحماية القانونية والسياسية لمرشحاتها، بما يضمن استعادة الفضاء الرقمي العراقي بوصفه ساحة ديمقراطية آمنة ومتكافئة تضمن المشاركة الكاملة لجميع المواطنين دون تمييز أو ترهيب2.

المصادر والمراجع

Share this content:

إرسال التعليق