جاري التحميل الآن

حين يصبح شحّ المياه قضية سلام.. لماذا تحتاج أزمات جنوب العراق إلى صوت النساء؟

العراق-فاطمة احمد

في جنوب العراق، لم تعد أزمة المناخ مسألة بيئية مؤجلة أو قضية تخص خبراء المياه والبيئة وحدهم. الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع درجات الحرارة، وتدهور الأراضي الزراعية، باتت عوامل تؤثر بصورة مباشرة في حياة الأسر ومصادر رزقها، وتدفع بعض المجتمعات إلى مواجهة خيارات صعبة تتصل بالمياه والعمل والهجرة والاستقرار.

لهذا، فإن التعامل مع التغير المناخي في العراق بوصفه ملفًا بيئيًا فقط لم يعد كافيًا. فالأزمة المناخية تتقاطع مع الاقتصاد والأمن الغذائي والهجرة والاستقرار الاجتماعي، وتفرض أسئلة جديدة حول قدرة المجتمعات على التكيف، وحول من يشارك في صناعة القرارات التي تحدد مستقبلها.

وفي قلب هذه المعادلة تقف المرأة، لكن المرأة لا ينبغي أن تظهر في هذا المشهد بوصفها متضررة من التغير المناخي فقط، بل بوصفها طرفًا قادرًا على المساهمة في الوقاية من النزاعات وبناء السلام وصياغة الحلول المحلية.

عندما تتغير خريطة الماء تتغير خريطة المجتمع

الماء في جنوب العراق ليس مجرد مورد طبيعي. إنه مرتبط بالزراعة والعمل والدخل والغذاء والاستقرار السكاني، ولذلك فإن تراجع المياه لا يعني فقط انخفاض الإنتاج الزراعي، بل يمكن أن ينعكس على مصادر دخل الأسر وعلى قدرتها على الاستمرار في مناطقها.

تشير الأمم المتحدة إلى أن الضغوط المناخية والبيئية في العراق يمكن أن تتفاعل مع عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية قائمة، بما يزيد مخاطر التوتر وعدم الاستقرار، فيما يتحمل الأشخاص الأكثر هشاشة جانبًا أكبر من آثار هذه الأزمات.

كما يحذر البنك الدولي من أن ندرة المياه وتدهور نوعيتها يمثلان تحديًا كبيرًا أمام الزراعة والأمن الغذائي والتنمية في العراق، في وقت تتزايد فيه آثار تغير المناخ.

وفي يناير 2026، حذرت الأمم المتحدة من شدة أزمة المياه في العراق، بعد سنوات من الجفاف وتراجع الأمطار والتدفقات المائية، وهي مؤشرات تجعل قضية المياه جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل المجتمعات العراقية.

لكن الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تحكي وحدها القصة الكاملة، خلف كل انخفاض في مناسيب المياه أسرة تحاول التكيف، وخلف كل أرض زراعية متضررة مصدر دخل مهدد، وخلف كل موجة هجرة قصة عن مجتمع يتغير تدريجيًا، وهنا تتحول أزمة المناخ من قضية بيئية إلى قضية تتصل بالاستقرار والسلام الاجتماعي.

المرأة ليست متلقية للمساعدة فقط

في كثير من النقاشات المتعلقة بالمناخ، تظهر النساء بوصفهن فئة متضررة تحتاج إلى الحماية والدعم. وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها، لكنها ليست الصورة الكاملة.

فالمرأة في المجتمعات الريفية والزراعية تمتلك معرفة مباشرة بتغيرات الحياة اليومية، بدءًا من المياه والغذاء والزراعة وصولًا إلى احتياجات الأسرة ومصادر الدخل والتغيرات التي تطرأ على المجتمع، كما أن النساء العاملات في الصحافة والمجتمع المدني والمؤسسات المحلية يمتلكن قدرة على نقل أصوات المجتمعات المتضررة إلى المؤسسات وصناع القرار.

وهنا تلتقي قضية المرأة مع بناء السلام،فالسلام لا يبدأ فقط عندما ينتهي النزاع، بل يمكن أن يبدأ من القدرة على اكتشاف عوامل التوتر مبكرًا، والاستماع إلى المجتمعات المحلية، وإشراك المتضررين في صناعة الحلول كما إن مشاركة النساء في الوقاية من النزاعات ليست مجرد مسألة تمثيل رمزي، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من بناء استجابات أكثر شمولًا وقدرة على التعامل مع الأزمات المحلية.

من الإنذار المبكر إلى القرار

إذا كانت ندرة المياه يمكن أن تزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فإن العراق يحتاج إلى توسيع مفهوم الإنذار المبكر.

لم يعد كافيًا أن نراقب درجات الحرارة أو مناسيب المياه. هناك مؤشرات اجتماعية يجب مراقبتها أيضًا، مثل تراجع فرص العمل، وتزايد الهجرة من المناطق الزراعية، وظهور النزاعات المحلية حول الموارد، وارتفاع الأعباء الاقتصادية على الأسر، وتراجع قدرة النساء على الوصول إلى مصادر الدخل والخدمات، هذه المؤشرات قد تبدو منفصلة عندما تُقرأ كل واحدة منها بمفردها، لكنها يمكن أن تكون أجزاء من سلسلة واحدة تبدأ بأزمة بيئية وتنتهي بأزمة اجتماعية.

وهنا تستطيع النساء أن يؤدين دورًا مهمًا في منظومة الإنذار المبكر، لأن وجودهن داخل المجتمعات المحلية يجعلهن أقرب إلى رصد التغيرات اليومية التي قد لا تظهر سريعًا في التقارير الرسمية، فالناشطة المحلية، والصحفية، والمعلمة، والموظفة، والقيادية المجتمعية، والمرأة العاملة في القطاع الزراعي، كلهن يمكن أن يكن جزءًا من شبكة مجتمعية ترصد المخاطر وتوصلها إلى المؤسسات قبل أن تتفاقم.

نساء داخل غرف القرار

المشكلة ليست فقط في غياب النساء عن بعض الاجتماعات، وإنما في غياب أصواتهن عن القرارات التي تحدد مستقبل مجتمعاتهن و إذا كانت النساء يتأثرن بصورة مباشرة بأزمات المياه والعمل والهجرة وتغير المناخ، فمن الطبيعي أن يشاركن في وضع خطط التكيف المناخي وإدارة المخاطر والاستجابة للأزمات.

وهذا الاتجاه بدأ يحظى باهتمام متزايد في العمل الدولي الخاص بالعراق. فبرنامج الأمم المتحدة للمرأة في العراق للفترة 2025 إلى 2029 يربط بين تعزيز قدرة النساء على الصمود وبين الحد من مخاطر الكوارث وتغير المناخ، إلى جانب أجندة المرأة والسلام والأمن.

المهم هنا هو الانتقال من سؤال كيف نحمي النساء من آثار المناخ إلى سؤال أكثر عمقًا وهو كيف نجعل النساء جزءًا من القرارات التي تحدد كيفية مواجهة هذه الآثار،فالمرأة ليست فقط مستفيدة من السياسة المناخية، وإنما يمكن أن تكون شريكة في صياغتها وتنفيذها ومراقبة نتائجها.

أجندة مشتركة

لا ينبغي أن تعمل سياسات المناخ وبناء السلام وتمكين النساء في مسارات منفصلة، لان ما يحتاجه العراق هو مقاربة تجمع هذه الملفات داخل رؤية واحدة، لأن خطة التكيف مع الجفاف يمكن أن ترتبط بالمشاركة المجتمعية، وبرامج دعم المجتمعات الزراعية يمكن أن تفتح فرصًا اقتصادية للنساء، وأنظمة الإنذار المبكر يمكن أن تستفيد من شبكات النساء داخل المجتمعات المحلية، فيما تستطيع الصحافة المحلية أن ترصد أثر أزمة المياه على النساء والأسر بدل الاكتفاء بتغطية أرقام مناسيب الأنهار.

كما يستطيع المجتمع المدني أن يؤدي دورًا في توثيق النزاعات المحلية المرتبطة بالموارد، وفي نقل أصوات المتضررين، وفي اقتراح حلول يمكن للمؤسسات المحلية البناء عليها.

وهذه ليست ملفات منفصلة ، حيث أن المناخ يؤثر في الاقتصاد، والاقتصاد يؤثر في الاستقرار، والاستقرار يرتبط بالسلام، والنساء موجودات في قلب هذه التحولات اليومية.

ماذا نريد من صانعي القرار؟

أن ربط المناخ بالسلام وبمشاركة النساء يحتاج إلى خطوات عملية، وليس إلى شعارات جديدة، لهذا فأن المطلوب أن تكون النساء من المحافظات والمناطق الأكثر تأثرًا بالمناخ جزءًا من التخطيط المحلي للمياه والتكيف المناخي وإدارة مخاطر الكوارث، وأن تتوافر بيانات محلية تكشف بصورة واضحة كيف تؤثر أزمات المياه والجفاف والهجرة في النساء، وأن تحصل المبادرات النسائية المحلية على الدعم الذي يسمح لها بالعمل في مجالات التماسك الاجتماعي وحل النزاعات وإدارة الموارد.

كما أن دعم الصحفيات والناشطات بالأدوات والمعرفة اللازمة لرصد المخاطر المناخية والاجتماعية يمكن أن يخلق جسرًا بين المجتمع وصناع القرار، خصوصًا في المناطق التي لا تصل أصوات سكانها بسهولة إلى المؤسسات الرسمية.

والأهم من ذلك هو ربط سياسات المرأة والسلام والأمن بالسياسات المناخية والمائية، بدل التعامل مع كل ملف باعتباره قضية منفصلة عن الأخرى.

السلام و مجرى الماء

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم بناء السلام في العراق، فالسلام ليس فقط منع العنف أو معالجة آثار النزاعات السابقة. السلام أيضًا هو قدرة المجتمع على إدارة موارده المحدودة بعدالة، والاستماع إلى الفئات المتضررة، ومنع الأزمات الصغيرة من التحول إلى صراعات أكبر.

وفي جنوب العراق، حيث تتقاطع أزمة المياه مع الزراعة والهجرة والفقر وتغير المناخ، تصبح مشاركة النساء في هذه العملية ضرورة عملية، لا مجرد مطلب حقوقي، فالمرأة التي تعرف أثر الجفاف على أسرتها، وتراقب تغير مجتمعها، وتستطيع الوصول إلى النساء في منطقتها، يمكن أن تكون جزءًا من الحل، لكن ذلك يتطلب الخروج بها من موقع المتلقية للحماية إلى موقع الشريكة في الوقاية وصناعة القرار.

وقد لا تستطيع المرأة وحدها أن توقف الجفاف أو تعيد الأنهار إلى ما كانت عليه، لكنها تستطيع أن تكون جزءًا من شبكة مجتمعية ترصد المخاطر وتمنع تحول شح المياه إلى أزمة اجتماعية أكبر، ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: أين المرأة من أزمة المناخ؟ بل

السؤال الأهم هو: أين موقعها عندما تُتخذ القرارات التي تحدد مستقبل جنوب العراق؟ فالماء قضية بيئية، نعم، لكنه في جنوب العراق أيضًا قضية معيشة وعدالة واستقرار وسلام، وحين تُستبعد النساء من إدارة هذه القضايا، فإننا لا نخسر تمثيلًا فقط، بل نخسر جزءًا من المعرفة المحلية والقدرة المجتمعية على الوقاية وبناء الصمود.

Share this content:

إرسال التعليق