جاري التحميل الآن

نساء يشغّلن نساءً في مطابخ المنازل

عن شبكات العمل اليومي خلف قدور الدولمة والبرياني في بغداد

فريق التحرير

عند الخامسة فجراً، لا يكسر سكون زقاق ضيق في حي الأمين شرق بغداد سوى صوت مولدة الحي الأهلية، وصوت نقر سكين عريضة على لوح خشب متآكل. في المطبخ المستطيل الذي لا يتجاوز متراً ونصف المتر عرضاً، تقف أم مروة (44 عاماً) مرتدية ثوباً قطنياً خفيفاً لا يقاوم حرارة البخار الصاعد من قدر ألمنيوم ضخم يتسع لعشرين كيلوغراماً من الرز. الهواء مشبع برائحة السمن المذاب وحموضة التمر هندي وبهارات البرياني الحادة، بينما يضيء هاتفها المحمول المثبت على جدار مائل برسائل متتالية: إشعارات تطبيق ماسنجر، وتنبيهات من صفحة “طبيخ البيت البغدادي” على فيسبوك، وطلبات مستعجلة لقدور دولمة وكبب حلب مفرزة لولائم نهاية الأسبوع.

“نحن لا نطبخ حباً بالطبخ، نحن نطبخ حتى لا نمد أيدينا لأحد”، تقول أم مروة وهي تمسح عرق جبينها بظهر كف خشن تملؤه آثار حروق قديمة وجديدة. “صفحة الفيسبوك هي حبل نجاةلكسب لقمة عيش كريمة معلق في رقابنا. إذا انقطعت الكهرباء أو توقفت ماطور الماء، يتلف عمل اليوم بأكمله”.

في المطبخ ذاته، تجلس شابتان على مقاعد بلاستيكية منخفضة: نور (23 عاماً)، خريجة معهد إدارة معطلة عن العمل، وأم تبارك (35 عاماً)، وهي جارة أرملة تعيل ثلاثة أطفال. أمامهما طشت بلاستيكي أحمر مملوء بحشوة الكبة المخلوطة باللحم والبصل والكرفس. أصابعهما تتحرك بسرعة ميكانيكية مدربة؛ تسطيح العجين، حشوه، إغلاقه بحركة دائرية خاطفة، ثم رصف الأقراص في طبقات تفصل بينها رقائق النايلون داخل علب كرتونية بيضاء.

تتقاضى نور وأم تبارك يومية مقطوعة قدرها عشرين ألف دينار عراقي (نحو 15دولاراً) مقابل ثماني ساعات من العمل المتواصل بين اللف والتقطيع والغسيل. “الراتب قليل ونعرف ذلك”، تقول أم تبارك بصوت خافت دون أن ترفع عينيها عن حبة الكبة، “لكن في هذه المنطقة لا توجد وظائف لنساء بأعمارنا وبلا شهادات. الخروج للعمل في محال تجارية يجر كلاماً من الأقارب والجيران، أما هنا فنحن داخل بيت مستور، ولقمة العيش تأتي من تعب اليدين”.

من الشعب ومدينة الصدر إلى الحرية والدورة. في بلد تبلغ فيه معدلات مشاركة النساء في القوة العاملة النظامية أقل من 12 في المئة وفق التقديرات الرسمية، تحولت المطابخ المنزلية إلى جهة أخيرة لامتصاص بطالة النساء المفارقة تكمن في أن هذا القطاع لا يوفر لصاحبة المشروع هامش أمان حقيقي، بل يعيد إنتاج علاقات العمل الهشة نفسها: نساء يستعنّ بنساء أخريات بأجور يومية منخفضة لتأمين استمرار دورة إنتاج لا ترحم.

على شاشة الهاتف، تبدو صفحة الفيسبوك براقة ومغرية: صور ملتقطة بزوايا احترافية لقدور الدولمة المقلوبة في صواني الستيل اللامعة، وزخارف المكسرات فوق تلال البرياني الأصفر. لكن خلف هذا المحتوى البصري تكمن كلفة تسويقية ولوجستية باهظة تُدار بالكامل على حساب الراحة الشخصية.

“الزبون على فيسبوك قاسٍ جداً”، توضح أم مروة وهي تزن أكياس البصل المفروم. “خوارزمية الصفحة تفرض عليكِ نشر مقاطع فيديو يومية ليبقى المنشور ظاهراً في التغذية. إذا تأخرتِ في الرد على تعليق، يعتبرونكِ مهملة. والأسوأ من ذلك هو المساومة؛ يطلبون قدراً يكفي عشرة أشخاص ويريدون خصماً وكأن اللحم والبهارات نأتي بها مجاناً. أسعار لحم الغنم في لدى القصاب تتغير كل فترة مع تذبذب سعر صرف الدولار، لكن إذا رفعتُ سعر كيلو الكبة ألف دينار فقط، أقرأ في التعليقات اتهامات بالجشع”.

تتعقد المعادلة الاقتصادية حين تضاف إليها تكاليف البنية التحتية المتهالكة في العاصمة. لضمان عدم تلف اللحوم والأطعمة المجهزة في المجمدات خلال أشهر الصيف التي تلامس فيها الحرارة خمسين درجة مئوية، تدفع أم مروة ما يقارب ثلاثمائة ألف دينار شهرياً لاشتراك خط المولد الأهلي (الأمبيرات الذهبية)، وهو مبلغ يبتلع ربع صافي دخلها الشهري تقريباً.

ولا تنتهي المخاطر عند حدود عتبة الباب؛ فمرحلة التوصيل تشكل قلقاً يومياً قائماً بذاته. تعتمد المطابخ المنزلية على سائقي دراجات نارية لنقل الطلبيات عبر زحام بغداد .

“أحياناً يقع الحادث والوجبة في الطريق”، تقول نور متذكرة واقعة حدثت الشهر الماضي: “انقلبت دراجة التوصيل في ساحة عدن بسبب الازدحام، وانسكب قدر برياني ولحم بقيمة ثمانين ألف دينار في الشارع. الزبون رفض دفع دينار واحد وهدد بالتشهير بالصفحة إذا لم نرسل بديلاً خلال ساعة. اضطررنا لإعادة الطبخ على حسابنا الخاص وخسرنا أجر يومين كاملين”.

بعيداً عن الخطاب الرائج في وسائل الإعلام حول “تمكين المرأة” و”قصص النجاح “، يخفي اقتصاد المطابخ المنزلية استنزافاً جسدياً ونفسياً . لا توجد هنا حماية أو ضمان اجتماعي، ولا تأمين صحي يغطي آلام الانزلاق الغضروفي، أو دوالي الساقين الناجمة عن الوقوف لعشر ساعات، أو الحروق الناتجة عن تطاير الزيت المغلي. العمل غير مدفوع الأجر في الرعاية الأسرية يتداخل مع العمل التجاري داخل المساحة الواحدة؛ فأم مروة تطبخ للزبائن وتغسل أواني البيت، وتراجع دروس أطفالها بينما تنتظر نضج الدولمة والبرياني على النار.

المجتمع، من جهته، يمارس ازدواجية واضحة تجاه هذه الظاهرة. فهو يتقبل عمل المرأة ويشجعه طالما بقي محاصراً ومستوراً بين جدران المطبخ وبعيداً عن الفضاء العام، لكنه في الوقت عينه يتعامل مع هذه المنتجات باعتبارها خياراً رخيصاً وبديلاً عن المطاعم النظامية، مجرداً النساء من حقوقهن كعاملات منتجات في دورة الاقتصاد الحقيقي.

مع حلول التاسعة مساءً، يُغلق باب المطبخ مؤقتاً. رائحة مسحوق التنظيف تحل محل رائحة البهارات واللحم المقلي. تجلس أم مروة بمفردها على طاولة خشبية متهالكة، بجانبها دفتر مدرسي مسطر وقلم جاف أزرق تسجل فيه حسابات اليوم: كلفة المواد الأولية، كلفة أكياس التغليف وعلب القصدير، يوميات المساعدتين، ونسبة سائق التوصيل.

الأرقام المتبقية في أسفل الصفحة تكشف هامش ربح لا يتجاوز 45 ألف دينار لليوم الشاق بأكمله؛ مبلغ يذهب أغلبه لشراء مستلزمات طبخة الغد أو سداد قسط كهرباء متأخر. تطفيء مصباح المطبخ النيوني الأبيض المتذبذب لتترك الغرفة للظلام، بينما يستمر هاتفها بالاهتزاز مع كل إشعار جديد يطلب قائمة الأسعار. إنه ليس حباً بالطهي ولا قصة نجاح ملهمة؛ إنها مسؤولية يومية تلتهم صحة النساء وعظامهن، فقط لضمان بقائهن واقفات من أجل تأمين لقمة عيش كريمة لعوائلهن.

Share this content:

إرسال التعليق